كتابات فكرية

يوم كان لليمن رئيسٌ يرفض الوصاية

يوم كان لليمن رئيسٌ يرفض الوصاية
(الرئيس الأرياني في مواجهة الملك فيصل نموذجا)

• حسن الدولة
الخميس 3 سبتمبر 2026-

أرسل إلى سعادة السفير عبدالوهاب الشوكاني رابط لمقال نشره الصحفي اليمني المرموق الأستاذ محمد الخامري عن الحوار الذي دار بين القاضي عبدالرحمن الإرياني، رئيس المجلس الجمهوري، والملك فيصل بن عبدالعزيز في فبراير 1974، والمنقول من مذكرات القاضي الإرياني رحمه الله.
والحقيقة أن هذا الحوار لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد واقعة من وقائع التاريخ، وإنما باعتباره وثيقة سياسية تكشف طبيعة العلاقة بين اليمن والمملكة، وتكشف في الوقت نفسه الفارق الهائل بين رجل دولة يعرف معنى السيادة، ومنظومة سياسية ترى في اليمن، أو تحاول أن تراه، مجالًا حيويًا لنفوذها ووصايتها.
ما يلفتني في حديث الإرياني ليس فقط شجاعته، وإنما هدوء الشجاع حين يكون واثقا من حق وطنه واستقلال قراره السياسي..
لم يكن يتحدث مع الملك فيصل باعتباره رئيس دولة أغنى وأقوى، وإنما باعتباره رئيس دولة مستقلة يتحدث باسم وطن مستقل.
وحين حاول الملك فيصل أن يضع أمامه هواجس المملكة من الشيوعيين والبعثيين والتيارات السياسية في اليمن، لم يذهب الإرياني إلى ما اعتاده بعض السياسيين من تقديم فروض الطاعة والولاء وطمأنة الخارج على حساب الداخل، بل قال بوضوح إن هؤلاء يمنيون، وإن اختلاف أفكارهم لا يسقط عنهم مواطنتهم، وإن الدولة تتعامل معهم في إطار الدستور والقانون.
ثم ذهب أبعد من ذلك حين رفض أن تتحول السعودية إلى طرف يحدد لليمن من يحكم ومن يصلح للوزارة ومن ينبغي إقصاؤه.
كانت رسالته واضحة بأن يتركوا اليمنيين وشأنهم”.
وهذه العبارة وحدها تكفي لفهم جانب كبير من المأساة اليمنية.
فالمشكلة لم تكن يوما في أن تكون لليمن علاقات وثيقة مع السعودية، ولا في أن تكون المملكة دولة شقيقة وجارة، وإنما في أن تتحول العلاقة بين دولتين مستقلتين إلى علاقة وصاية بين دولة ترى نفسها صاحبة حق في تحديد الخيارات اليمنية، ونخب يمنية تقبل أن تتحول من ممثلة لوطنها إلى وسيط لمصالح الخارج داخله.
والأخطر من ذلك أن النفوذ الخارجي لا يدخل الدول عادة من أبوابها الرسمية، وإنما يدخل من خلال الأبواب التي يفتحها أبناؤها.
وهنا يصبح التاريخ اليمني بحاجة إلى قراءة مختلفة.
فالسعودية لم تكن مجرد جار يراقب ما يجري في اليمن؛ كانت منذ عقود – ولا تزال – طرفا مؤثرا في معادلاته السياسية والقبلية، وكانت الأموال والعلاقات والتحالفات أدوات أساسية في صناعة النفوذ. وتكشف دراسات تاريخية أن المصالحة اليمنية السعودية عام 1970 أعادت العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، فيما استمرت المملكة في النظر إلى اليمن من زاوية أمنها ومصالحها الإقليمية، ولا سيما مع صعود اليسار في جنوب اليمن.
وهنا تكمن المفارقة بأن السعودية كانت تخشى على أمنها من اليمن، والإرياني كان يخشى على استقلال اليمن من التدخل الخارجي.
والفارق بين الموقفين عميق جدا.
فالملك فيصل كان ينظر إلى اليمن باعتباره جزءا من أمن المملكة ومجالها الحيوي، بينما كان الإرياني ينظر إلى اليمن باعتباره دولة لها الحق في أن تختار طريقها بنفسها.
ولذلك لم يكن الحوار بين الرجلين حوارًا عابرًا حول تشكيل حكومة أو اختيار وزير؛ كان في جوهره حوارًا حول سؤال أكبر: من يملك القرار اليمني؟
والإجابة التي حاول الإرياني أن يفرضها كانت واضحة لدى القاضي عبدالرحمن انهم اليمنيون.
ولذلك لم يكن غريبا أن يطالب بتوجيه الأموال والمساعدات إلى مؤسسات الدولة بدلا من تسليمها لشخصيات وقوى خارج مؤسساتها. وقد ورد في شهادات عن تلك المرحلة أن الإرياني واجه التدخلات والوصاية الخارجية صراحة، وطالب بأن تكون المساعدات عبر الدولة لا عبر الشخصيات والولاءات. وجرم التعامل المباشر مع مواطنين او مراكز القوى مباشرة.
ومن هنا أختلف مع الذين يقرأون تجربة الإرياني باعتبارها مجرد مرحلة هادئة في تاريخ اليمن.
لقد كان الرجل يخوض معركة دولة.
كان يريد أن ينتقل اليمن من حكم الأشخاص ومراكز النفوذ إلى حكم المؤسسات؛ ولذلك تمسك بالمجلس الجمهوري، وبالدستور، وبمجلس الشورى، وبالحكم الجماعي، ورفض أن تتحول الرئاسة إلى سلطة فردية مطلقة.
وكان يدرك أن أخطر ما يهدد الدولة ليس اختلاف اليمنيين فيما بينهم، وإنما أن يصبح اختلافهم وسيلة للخارج كي يحكمهم من الداخل.
ولذلك فإن موقف الإرياني من السعودية لم يكن موقف عداء للسعودية، بل كان موقف رجل دولة يعرف أن الصداقة الحقيقية بين الدول لا تقوم على التبعية.
الصديق الذي يحترمك يختلف معك، لكنه لا يصنع لك نظامك السياسي.
والجار الذي يحترم استقلالك يساعدك، لكنه لا يختار لك حكومتك.
والحليف الحقيقي يقف إلى جانب دولتك، لا إلى جانب الأشخاص الذين يستطيع من خلالهم التأثير في دولتك.
وهنا نصل إلى أكثر فصول التاريخ اليمني إيلاما.
فبعد الإرياني، دخل اليمن في مسار مختلف، وأصبحت العلاقة بين السلطة اليمنية ومراكز النفوذ الإقليمية أكثر تعقيدا، حتى بدا في مراحل كثيرة أن بعض القوى داخل اليمن تستمد قوتها من الخارج أكثر مما تستمدها من الدولة والمجتمع، بل بلغت الجرأة ان تمارس ضغطها على عبد ربه منصور ليتنازل للعليمي الذي كان أحد المشاركين في صياغة مذكرة التفاهم التي أعادت لمعاهدة الطايف شرعيتها والزاميتها بعد ان انتهت صلاحيتها عام 1954 برفض الإمام احمد الموافقة على التجديد ، ثم رفض القاضي الارياني تعميد التجديد الذي قام به الحجري والنعمان والمسوري وقال كلمته القوية ” والله أني لا اقبل أن أكون أقل وطنية من الأمام أحمد” والكل يعرف كيف كان مصير من وقع ذلك التجديد سيء الذكر..
وانطلاقا من ذلك فمن حقنا، بل من واجبنا، أن نسأل اليوم:
هل كان بعض من جاءوا بعد الإرياني مجرد نتاج للداخل اليمني، أم أن للنفوذ السعودي دورا في صعودهم وترتيب مواقعهم؟
هذا السؤال ليس اتهاما مجانيا، ولا يجوز الإجابة عنه بالشعارات؛ فهو يحتاج إلى الوثائق والمذكرات والشهادات والوقائع. لكن تجاهله أيضا نوع من الهروب من التاريخ.
وإذا أردنا أن نفهم تلك المرحلة، فعلينا أن نتذكر أن المملكة لم تكن تتعامل مع اليمن بوصفه ملفا خارجيا عاديا؛ فقد كانت تعتبر ما يجري فيه مرتبطا مباشرة بأمنها ومصالحها، خصوصا في ظل الحرب الباردة وصعود التيارات اليسارية في جنوب الجزيرة.
لكن الاستثناء الأبرز بعد الإرياني، في تقديري، كان الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.
فالحمدي، وإن اختلفت تجربته عن تجربة الإرياني في الأسلوب والظروف، التقى معه في نقطة جوهرية: استقلال القرار اليمني وبناء دولة أقوى من مراكز النفوذ.
وهنا بدأ الخطر الحقيقي.
فحين يحاول حاكم يمني أن يجعل الدولة هي صاحبة القرار، وأن يقلص نفوذ الوسطاء، وأن يعيد تنظيم علاقة السلطة بالقوى القبلية والعسكرية، وأن يجعل المشروع الوطني مقدما على حسابات الخارج، فإنه يصطدم حتما بمصالح اعتادت أن ترى اليمن من خلال شبكة من الرجال والولاءات.
ولهذا فإن اغتيال إبراهيم الحمدي لا يمكن عزله عن الصراع السياسي والإقليمي الذي كان قائما آنذاك.
لا أقول إن كل تفاصيل الجريمة محسومة تاريخيا أو قضائيا، ولا أستبدل التحقيق بالاتهام، لكن من حق المؤرخ والسياسي أن يسأل:
من استفاد من غياب الحمدي؟
ومن كان يخشى مشروعه؟
ولماذا كان مشروع الدولة المستقلة مصدر قلق لبعض القوى في الداخل والخارج؟
هذه الأسئلة لا ينبغي أن تخيف أحدا.
فالذي يخاف من قراءة التاريخ هو الذي يخشى أن تكشف الوثائق شيئا يريد له أن يبقى مخفيا.
إن مأساة اليمن لم تكن في فقره، فقد كان اليمن فقيرا يوم وقف الإرياني أمام الملك فيصل بل وكان يعتمد في جل ميزانية الدولة على الدعم السعودي.
ولم تكن في قلة موارده، فقد كانت موارده محدودة يوم تحدث الحمدي عن الدولة، لكنه – اي الشهيد الحمدي – استطاع في سنوات قليلة ان يجعل من تحويلات المهاجرين رأسمال كبير لنهضة اليمن واستقلاله.
المشكلة كانت في اللحظة التي بدأ فيها بعض اليمنيين يتعاملون مع الخارج باعتباره مصدر الشرعية والقوة والحماية، بدل أن يكون الشعب والدستور والمؤسسات مصدر الشرعية.
ومنذ تلك اللحظة بدأ الوطن يدفع الثمن.
لقد كان الإرياني يقول للملك فيصل، بصيغة أو بأخرى: ساعدونا، ولكن لا تحكمونا، فنحن دولتان مستقلتان لكل منا قراره وسياسته المستقلان.
وهكذا كان الحمدي يقول بالسياسة والممارسة. نحن نريد دولة يمنية لا دولة تدار من خلال شبكات النفوذ.
وهنا بالضبط نفهم لماذا تبدو تلك الصفحات القديمة مؤلمة إلى هذا الحد ونحن نقرأها اليوم.
ففي عام 1974 كان رئيس المجلس الجمهوري اليمني يتحدث بثقة وهدوء عن حق بلاده في اختيار رئيس حكومتها وتحديد سياستها الداخلية.
أما اليوم، فقد أصبح اليمن موزع القرار بين سلطات وقوى ومراكز نفوذ، وتدخلت فيه القوى الإقليمية والدولية بصورة غير مسبوقة، حتى أصبح السؤال عن استقلال القرار اليمني أشبه بالسؤال عن شيء فقدناه منذ زمن ونبحث عنه في ركام التاريخ.
رحم الله القاضي عبدالرحمن الإرياني.
لقد أخطأ، كأي رجل دولة، وأصاب، لكن فضيلته الكبرى أنه فهم شيئا يبدو أننا نسيناه:
أن الحكم ليس غنيمة، وأن الرئاسة ليست وكالة عن الخارج، وأن الدولة ليست ملكا للحاكم يورثه لغلمانه كما حاول عفاش، ولا هو حق إلهي لأحد أو لأسرة، و” أن الحكم بالغصب رجعي نقاومه” وأن السيادة ليست ورقة تفاوض، وأن العلاقة مع الأشقاء لا تعني الوصاية.
ورحم الله إبراهيم الحمدي، الذي حاول أن يعيد بناء الدولة على أساس يجعل اليمنيين أصحاب القرار الأول والأخير في بلدهم.
أما المملكة العربية السعودية، فليس المطلوب من اليمنيين أن يعادوها، وإنما المطلوب أن يعيدوا تعريف العلاقة معها:
لا عداوة، ولكن لا تبعية.
لا قطيعة، ولكن لا وصاية.
لا خصومة مع الشعب السعودي الشقيق، ولكن رفض واضح لكل سياسة إقليمية تتعامل مع اليمن باعتباره حديقة خلفية أو مجالًا مفتوحًا للنفوذ السياسي.
فاليمن ليس تابعًا لأحد.
واليمنيون ليسوا رعايا في دولة أخرى.
والدولة التي لا تملك قرارها لا تستطيع أن تحمي شعبها.
وهذا هو الدرس الذي تركه لنا الإرياني، وربما دفع الحمدي حياته ثمنًا لمحاولة ترسيخه:
إما أن يكون لليمن دولة تملك قرارها، أو سيظل الآخرون يختلفون على اليمن بينما يدفع اليمنيون وحدهم ثمن الخلاف.


اقرأ أيضا:التراث.. وتحوله من ذاكرة الأمة إلى سجن العقل.. قراءة في مقدمة كتاب «التراث ودوره في الاستلاب العقلي العربي المعاصر»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى