هل انتصرت إيران؟

هل انتصرت إيران؟
- محمد حسن زيد
الخميس 9 إبريل 2026-
عندما يكون عدوك أقوى منك بكثير الى درجة أن الساسة يؤلهون إرادته فإن مجرد الصمود في وجهه يعتبر انتصارا.. فالانتصار مسألة نسبية بحسب الصراع وقوة المتصارعين، وفي مجال الثورات ونضال الشعوب ضد الطغاة من هاب بذل التضحيات فسوف تُكسَرُ إرادَتُه.. ثورة الجزائر.. ثورة فرنسا.. حرب فيتنام.. مواجهة النازية.. جميع هذه الثورات والحروب خسر فيها الطرف المنتصر أكثر من الطرف المهزوم (من الناحية المادية) لأن الطرف الثائر (المنتصر) كان أضعف بينما كان الطرف الطاغي (المهزوم) أقوى.
وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق
وفي نضال المسلمين التحرري ضد الصهيونية الغاصبة لفلسطين هم لا يواجهون عدوا عاديا بل يُواجهون النظام العالمي وعلى رأسه المعسكر الغربي الذي يُعتبر من أعتى القوى المادية التي عرفها التاريخ البشري بإمكاناته الهائلة وتفوقه التام تكنولوجيا واقتصاديا وإعلاميا واستخباريا وعسكريا..
ولذلك فعندما نرجو النصر لإيران هنا فذلك معناه ان إرادتها لم تُكسر وان نظامها لم يسقط وبعد ان امتصت صدمة البداية الساحقة ظلت يدها هي الأعلى طيلة المعركة حتى طلب العدو وقف القتال مأزوما مهزوما وهو الذي بدأ المعركة حالما بإسقاط النظام وتدمير الصواريخ ثم انتهى بالمطالبة بفتح مضيق هرمز فقط.
لكن هذا الانتصار لا يعني ان إيران لم تخسر شيئا خلال المعركة بل تكبدت خسائر مؤلمة هي في عقيدتنا كمسلمين نحتسبها قربانا عند الله لأننا نطيع بها الله الذي أمرنا بالجهاد ومنحنا العزاء بالحصول على درجة الشهداء مع الحياة الدائمة والنعيم الأبدي، أما بحسب شهامتنا العربية فهذه الخسائر مهما عظمت فهي أهون من الذل والهوان وتقبيل المؤخرات والاستباحة فالاستباحة ستؤدي الى خسائر أكبر وأنكى عند الناس الأسوياء.
نعم.. ليس من العدل أن تتحمل إيران وحدها عبء القضية الفلسطينية بينما العرب وبقية المسلمين قد أعفوا أنفسهم تماما من أي مواجهة ولم يكتفوا بهذا الموقف المخزي بل صاروا يتآمرون على إيران ويحرضون ويعتبرونها عدوا بديلا لإسرائيل وجعلوا أنفسهم وقودا لحرب مذهبية وقومجية سترتاح بها إسرائيل ونبقى نحن مشغولين عقودا قادمة.
طيلة ٤٥ عاما قدمت إيران خيرة قادتها وعلمائها وأبنائها وأموالها وعاشت حصارا خانقا وعزلة دولية ومؤامرات خبيثة، رغم إن الإمكانات التي تتمتع بها إيران إمكانات استثنائية تؤهلها ان تكون ألمانيا أو يابان الشرق الأوسط، فإلى جانب الثروات الطبيعية الهائلة والموقع الاستراتيجي المميز والطبيعة الخلابة المتنوعة ذات الجاذبية السياحية تتمتع إيران بثروة بشرية وعقول جبارة حتى كان علماؤها وما زالوا رواد الحضارة الإسلامية – جابر ابن حيان – أبو بكر الرازي – ابن سينا – أبو الوفاء البوزجاني – الكرجي – عمر الخيام – غياث الدين الكاشي – البيروني – الخوارزمي وغيرهم، وحتى اليوم أثبت علماء إيران انهم كنز حقيقي للأمة الإسلامية وهدف رئيسي للاغتيالات الإسرائيلية فالصواريخ التي دكت بها إيرانُ فلسطين المحتلة فأجبرت إسرائيل على وقف إطلاق النار هي نفس التكنولوجيا استخدمها حزب الله وحماس وأنصار الله في مواجهاتهم العسكرية المتعددة ضد أمريكا وإسرائيل وخلقوا نوعا من التوازن معه في عصر الانبطاح العربي التام، بينما ماذا قدم العرب غير الخذلان والتآمر والتكفير؟
إيران ستظل عمقا استراتيجيا للإسلام لكن الجيل الذي التف حول الإمام الخميني وأعطى صوته بنسبة ٩٠% لجمهورية إسلامية لا تهاب الجهاد ومقارعة الشيطان الأكبر كان هذا الجيل يمثل أغلبية إيران سنة 1979 لكنه قبل بدء هذا العدوان الخبيث وبسبب الدعاية المضللة والحرب الناعمة عقودا من الزمن كان يعيش هما آخر إلى درجة أن هناك من صدق أن أمريكا وإسرائيل تريدان الحرية للشباب والفتيات وبلغت السخرية أن خرج نتنياهو صحبة الدمية رضا بهلوي ليطلب من الشعب الإيراني الخروج لإسقاط النظام والقتال نيابة عن إسرائيل!.
لكن ما شهده الشعب خلال 40 يوما من العدوان الخبيث والتدمير الممنهج للدولة والإنسان والبنية التحتية بلغ حد التهديد بمحو الحضارة الفارسية من الوجود وبدأ بقتل 163 طالبة ابتدائية في مدرسة ميناب واستهداف العلماء والجامعات والمدارس والمستشفيات والجسور ومختلف الخدمات الوطنية انكشفت حقيقة اللعبة فقد سمع الجميع الرئيس ترامب وهو يُعبّر عن رغبته في الاستئثار بالنفط الإيراني كما سمع الجميع وزير الحرب الأمريكي وهو يتحدث عن حرب دينية ضد الإسلام وعن “أوهام النبوة المحمدية” كما سمع الجميع ستيف بانون مستشار الأمن القومي السابق وليندسي غراهام السيناتور الأمريكي المقربان من الرئيس ترامب وهما يحرضان أهل السنة على محاربة الشيعة حتى لا تخسر أمريكا أو إسرائيل جنودا!
40 يوما منذ أن آثر الإمام الشهيد علي الخامنئي أن يُقتل في سبيل الله صابرا محتسبا مع عائلته وبين استعادة الثورة الإسلامية جذوتها ووهجها وزخمها بعد عقود من الدعاية المضللة والحرب والناعمة والحصار المطبق والتحريض القومي والمذهبي القبيح فسلام الله على الإمام الخميني وسلام الله على الإمام الخامنئي وسلام الله على شهداء إيران وقادة إيران وعلماء إيران ومجاهدي إيران ومواقف إيران الخالدة التي غيرت وجه التاريخ وحفظت عِزّة الإسلام كما أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمن الذل والانحطاط.
ما هي المصلحة في إسقاط إيران إلا لإسرائيل؟
ومن المستفيد من معاداة العرب لإيران إلا إسرائيل؟
إيران أثبتت انها دولة قوية وشعب عظيم وعقول جبارة ورقم صعب أحبط بوعيه وصموده وتضحياته مشروع الشرق الأوسط الجديد وحمى كثيرا من الدول العربية والإسلامية.
لكن الأهم بالنسبة لنا كعرب بعد هذه الملحمة الخالدة أن إيران مع حزب الله قد كشفا للعرب كيفية الانتصار على إسرائيل – هذا إذا أرادوا الانتصار عليها – لكن لا بد لنا من الصبر والصمود وبذل التضحيات.
أمتنا تتعرض أساسا للسحق والإذلال ولا معنى لخشيتها من بذل التضحيات وإطاعة أوامر الله الصريحة بالجهاد والصبر والمصابرة.. وقد أثبتت إيران مع حزب الله وأنصار الله وحماس ان المشكلة لم تكن في تقديم التضحيات ولا في الصبر ولا في الصمود، بل المشكلة في الخيانة والنفاق وأبواق الفتنة بيننا.
هذا والله المستعان هو نعم المولى ونعم النصير..
اقرأ أيضا:التعصب.. والعناد الايديولوجي




