هذا هو موقف اليمن من العدوان على إيران

هذا هو موقف اليمن من العدوان على إيران
القيادة اليمنية وحدها من تقرّر مستوى التضامن والمساندة وشكلها وكيفيتها وزمانها ومكانها وفقاً للظروف الموضوعية التي تراها مناسبة وبناء على طبيعة التطوّرات المقبلة.
- علي ظافر
الثلاثاء 17 مارس 2026-
منذ بداية العدوان الأميركي الإسرائيلي الغاشم على الجمهورية الإسلامية الإيرانية واغتيال مرشد الثورة وقائدها السيد علي الخامنئي وعدد من القيادات الإيرانية، تبرز الكثير من التساؤلات عن عدم انخراط اليمن عسكرياً في هذه الحرب، ومع تلك التساؤلات تكثر التكهنات والتحليلات والتسريبات والتأويلات حول ذلك وهذا ما نلاحظه في التداولات اليومية داخل اليمن وخارجه وفي الإقليم بل حتى داخل كيان العدو الإسرائيلي!
والغريب أنّ من لاموا صنعاء على موقفها المساند لغزة منذ العام 2023 يتصدّرون قائمة هذا السجال ومن بينهم مرتزقة العدوان على اليمن خلال السنوات العشر الماضية الذي لا همّ ولا شغل لهم سوى التشكيك في مواقف صنعاء.
وفي محاولة للإجابة عن تلك التساؤلات، ودرءاً للتكهّنات سنحاول قراءة الموقف اليمني من خلال تصريحات القيادة اليمنية ممثّلة بالسيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي باعتباره صاحب الكلمة الفصل في مواقف من هذا النوع منذ 2015، ومروراً بـ “طوفان الأقصى” وما تلاه من عدوان إسرائيلي على غزة ولبنان، وعدوان أميركي بريطاني وعدوان أميركي إسرائيلي على اليمن، وكذلك جولة الـ12 يوماً العدوانية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية العام الماضي 2025.
خلال جولة الـ12 يوماً من العدوان الأميركي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية كان لليمن موقف رافض لاستراتيجية الاستباحة الصهيونية وكان اليمن مستعداً للمساندة، لكنّ الجمهورية الإسلامية بما تتمتع به من قوة واقتدار (ليست مستضعفة كغزة) طلبت من صنعاء – وفق بعض الأوساط المقرّبة من إيران عدم الدخول عسكرياً لاعتبارات موضوعية، منطقية، ومن موقع أخوي وليس استعلائي أو وفق منطق السيد والتابع كما يزعم البعض.
خلال المرحلة الراهنة تابعنا الكثير من الكتابات والتداولات الخليجية والإسرائيلية في الصحف والقنوات تناقش الموقف اليمني المحتمل أو كما يسمونه “موقف ودور الحوثيين” في هذه الحرب، فوجدنا البعض يطرح بأنّ الموقف اليمني “ورقة مؤجّلة إيرانياً” وآخرون يرون بأنّ “موقف الحوثيين مرهون بالتدخّل العسكري المباشر لدول الخليج وتحديداً السعودية” ويبدي آخرون خشيتهم من “دور مؤجّل ومحتمل في باب المندب” بل يذهب بعض اليمنيين المحسوبين على دول العدوان إلى افتراض أنّ “الحوثيين ينفّذون عمليات غير معلنة”. وكلّ الطروحات السابقة لا تعدو عن كونها تخرّصات وتكهّنات لا تسند إلى أيّ معطى وتفتقر إلى الحقيقة.
اليمن: تضامن كامل مع إيران وجاهزية تامة
في الـ28 من شباط/فبراير أعلن السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي أنّ “اليمن رسمياً وشعبياً يقف إلى جانب الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقفة تضامن كامل”، وأكد “الجاهزية التامة لأيّ تطوّرات مقبلة” كان هذا هو الإعلان الأول في اليوم الأول من العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران وقد انطلق هذا الموقف من منطلق المسؤولية الدينية أولاً واستناداً إلى عدة اعتبارات تشكّل الأرضية والخلفيّة الأساسية لهذا الموقف.
أولى تلك الاعتبارات أنّ العدوان الأميركي الإسرائيلي جسّد استراتيجية الاستباحة لدولة إسلامية وانتهك وتجاوز الخطوط الحمر باغتيال مرشد الثورة الإسلامية الإيرانية وقائدها السيد علي الخامنئي وعدد من معاونيه وأفراد أسرته وضرب مدرسة ابتدائية من دون وجه حقّ، ومن هذا الاعتبار فإنّ استباحة دولة إسلامية أو العدوان عليها أمر مرفوض من حيث المبدأ.
الاعتبار الثاني وهو الأخطر ويتمثّل في خلفيّات العدوان وأهدافه ومقاصده، إذ ترى القيادة اليمنية واليمنيون الشرفاء أنّ السبب والهدف لم يكن “النووي الإيراني” السلمي، بل الهدف هو التخلّص من النظام الإسلامي الإيراني باعتباره نموذجاً للدولة الحضارية المسلمة وعقبة كبرى أمام مشاريع الهيمنة والاستكبار، وباعتباره – من وجهة نظر الصهيونية العالمية بجناحيها الأميركي والإسرائيلي – عائقاً كبيراً أمام ما يعرف بـ “مشروع تغيير الشرق الأوسط” و”إسرائيل الكبرى”.
ما يعني أنّ اليمن يرى أنّ العدوان على إيران يندرج في إطار التهيئة والتمهيد للمشروع الصهيوني الذي لا يستهدف إيران وحدها بل يستهدف المنطقة برمّتها، وهذا ما حذّر السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي منه في أكثر من خطاب وأكثر من مناسبة، وضمن هذا السياق ينبّه عدة دول عربية وفي مقدّمها دول الخليج بأنها لن تكون استثناء في هذا المشروع الصهيوني، ولن تكون بمنأى عن نيرانه من أجل ذلك يقدّم لهم النصح بين الحين والآخر بعدم الانخراط في مشاريع التطبيع والتتبيع، وبأن لا تكون بلدانهم منصة عدوانية على جيرانهم من العرب والمسلمين، وبألا يكونوا مجرّد “ترس” للتصدّي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وهذا نلمسه من خلال تأكيده بأنّ “استهداف القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة يعدّ حقاً مشروعاً لإيران”.
أولاً؛ لأنّ “هذه القواعد تشارك في العدوان على إيران” وتالياً لأنّ ضربها يستهدف أميركا وحضورها ومصالحها، “ولا يعدّ استهدافاً للدول التي تستضيفها سواء في منطقة الخليج أو غيرها”.
ولأنّ العدوان يستهدف الأمة كلّها لناحية التهيئة لمشروع “إسرائيل الكبرى” بما يشكّله من تهديد ليس لإيران وحدها بل للمنطقة برمّتها بما فيها دول الخليج ومصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق …إلخ، فإنّ صنعاء ترى أنّ “الجمهورية الإسلامية الإيرانية تخوض في الواقع معركة الأمة الإسلامية بأكملها ضدّ الطغيان الأميركي الصهيوني”، وهذا اعتبار آخر يمثّل خلفيّة من خلفيّات الموقف اليمني والاصطفاف مع الجمهورية الإسلامية باعتبار أنها تواجه تهديداً وخطراً وجودياً مشتركاً يهدّد الأمن القومي العربي والإسلامي، ولم يأتِ الموقف من خلفية مذهبية أو طائفية أو عاطفية أو وفق نظرية التابع والمتبوع كما يدّعي البعض للأسف ممن يتعامون عن المخاطر المهدّدة للأمة جمعاء ويُعظِّمون المزاعم والدعايات الصهيونية لتبرير الاقتتال بين العرب والمسلمين أنفسهم.
من هذه المنطلقات والخلفيات التي أشرنا إليها سابقاً جدّد السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي في خطاب متلفز عشية الـ 5 من آذار/مارس إعلان الموقف اليمني من العدوان الأميركي الإسرائيلي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، مؤكداً بأنّ “أيدينا على الزناد فيما يتعلّق بالتصعيد والتحرّك العسكري في أيّ لحظة تقتضي التطوّرات ذلك”، وإذا نظرنا في التطوّرات الميدانية والسياسية والاقتصادية منذ بداية العدوان إلى اليوم نجد أنها ترجّح كفّة الجمهورية الإسلامية وتقدّم بشارات بأنّ إيران هي المنتصرة في نهاية المطاف وأنّ أهداف العدوان ستسقط حتماً.
وهذا ما أشار إليه وأشاد به السيد عبد الملك صراحة في بيان التهنئة والمباركة باختيار القائد الثالث للجمهورية والثورة الإسلامية الإيرانية، وتأكيده أنّ “الثبات الإيراني والتصدّي الفعّال ضدّ العدوان والطغيان نتيجته هي الانتصار”، بل واعتبر أنّ “بشارات هذا النصر جلية بفشل أهداف الأعداء من وراء هذا العدوان وما لحق بهم من خسائر وتنكيل”، ورأى السيد عبد الملك الحوثي أنّ اختيار السيد مجتبى الخامنئي “اختيار موفّق يرسّخ دعائم الثورة الإسلامية والنظام الإسلامي” ويوجّه “صفعة كبيرة لطغاة العصر المعتدين أميركا وإسرائيل، وخيبة أمل كبرى لهم”.
وصنعاء هنا لا تُخفي فخرها بالردّ الإيراني وبتماسك النظام الإيراني وبوفاء الشعب الإيراني للثورة، بل وتبدي اطمئناناً تاماً للنتائج بأنها ستكون حتماً لصالح طهران؛ ذلك أنّ تحالف العدوان لم يحقّق أياً من أهدافه العدوانية، وأنّ الجمهورية الإسلامية لم تظهر أيّ ضعف أو تراجع بل على العكس فاجأت وتفاجأ الجميع بقوتها واقتدارها وامتلاكها كثيراً من أوراق القوة واحتفاظها بالمزيد من الأوراق والمفاجآت، وهي من تمسك بتلابيب وموازين المعركة، حيث أسقطت مزاعم العدوان بالتأثير على قدراتها وتدمير مخزونها من الصواريخ الاستراتيجية وأدخلت بموجات ردّها الدفاعي ودفاعها الهجومي الوجود العسكري الأميركي في المنطقة في حالة انكشاف تاريخي غير مسبوقة، وكشفت أنّ القواعد الأميركية المنتشرة في المنطقة مصدر تهديد للدول العربية وليست مصدر حماية.
وفي الموازاة أدخلت كيان العدو في أصعب مراحله على الإطلاق منذ تأسيسه وزرعه كغدة سرطانية متغلغلة في جسد الأمة العربية والإسلامية، كما أثبتت الجمهورية الإسلامية الإيرانية مدى قدرتها على التأثير في الميزان الإقليمي والدولي من خلال إمساكها واستحكامها على مضيق هرمز كأبرز ممرات الطاقة على مستوى العالم، وما ترتّب على ذلك كنتيجة للعدوان الأميركي الإسرائيلي من اهتزاز في الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وبما يهدّد المستقبل السياسي لترامب، واستطاعت إيران بحكمة وحنكة قيادتها ووفاء شعبها، وتماسك مؤسساتها أن تردّ كيد الأعداء في نحورهم وتجعل مكرهم إلى بوار.
يد إيران هي العليا
بما أنّ التطوّرات المستمرة لا تزال ترجّح كفّة الجمهورية الإسلامية ولا تزال يد إيران الإسلامية هي العليا، فإنّ إيران لا تحتاج إلى إسناد عسكري يمني في الوقت الراهن فقد كفّت وأوفت، كما أنها الأقوى عسكرياً على مستوى المنطقة من دون منازع، ومن هنا باعتقادي أنّ المطلوب من اليمن في الوقت الراهن وبالنظر إلى التطورات ليس الإسناد العسكري، بل التضامن الشعبي والسياسي والإعلامي لدعم الحقّ الإيراني في الدفاع المشروع، ومساندتها إعلامياً وسياسياً لإسقاط السرديات المضللة على المستوى الإعلامي.
إنّ الاستعجال في الحديث عن انخراط يمني عسكري وشيك لمساندة إيران وهي في أوج قوتها واقتدارها وعنفوانها سابق لأوانه وهذا مجرّد رأي لا يستند إلى أيّ معلومة ولا يدّعي ذلك كما أننا في الوقت نفسه لا نستبعد ذلك، وفي كلتا الحالتين فإنّ القيادة اليمنية وحدها من تقرّر مستوى التضامن والمساندة وشكلها وكيفيتها وزمانها ومكانها وفقاً للظروف الموضوعية التي تراها مناسبة وبناء على طبيعة التطوّرات المقبلة، ومن يدّعي غير ذلك يبقى في إطار التكهّنات التي تفتقر إلى الحقيقة ولا تستند إلى أيّ معلومة.
المصدر: الميادين نت
اقرأ أيضا: العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.. حتى لا نفقد بوصلة الرؤية ١- ٢




