كتابات فكرية

مناقشة مقال: “عولمة الفوضى الخناقة” للقاضي عبد العزيز البغدادي

مناقشة مقال: “عولمة الفوضى الخناقة” للقاضي عبد العزيز البغدادي

  • حسن الدولة

الأربعاء 4 فبراير 2026-

يقدم القاضي عبد العزيز البغدادي في مقاله الموسوم بـ “عولمة الفوضى الخناقة” – الذي نشره في صحيفة الشورى الإلكترونية يوم أمس الثلاثاء 3 فبراير 2026م –  تحليلا نقديا حادا للواقع الجيوسياسي الراهن، محولا مفهوم “الفوضى الخلاقة” الذي روّجت له الدوائر الغربية إلى نقيضه المباشر: “الفوضى الخانقة”. فما يبشر به كمنتج للتقدم والتحرير، يراه القاضي عبدالعزيز البغدادي آلية مُخططة لتمزيق الدول وإذلال الشعوب، بهدف ترسيخ هيمنة جديدة تقوم على التبعية ونهب السيادة تحت شعارات برّاقة.

ويمثل هذا التحول في التوصيف جوهر النقد الذي يوجهه الكاتب للنظام العالمي المهيمن، حيث تتحول العولمة في ظله إلى “مذبح” تجر إليه الشعوب بواسطة حكام وصفهم المقال بدقة بأنهم “دمى”، تخلت عن السيادة الحقيقية لأوطانها مقابل البقاء في السلطة. وبذلك، يصبح النظام العالمي القائم، في هذه الرؤية، نظاماً من “اللانظام”، تشرعَن فيه الجريمة بأبعادها المختلفة تحت غطاء من الخطاب القانوني والأخلاقي الزائف.

وفي قلب هذه المعادلة، تبرز الغطرسة الأمريكية كهدف رئيسي للنقد. لكن القاضي عبدالعزيز البغدادي لا يكتفي بوصف مظاهر هذه القوة، بل يحفر تحت سطحها ليكشف عن تناقضها الجوهري. فما يبدو للبعض قمة في التفوق والسلطة، هو في التحليل العميق من وجهة نظر كاتب هذه السطور “غطرسة الغريق”؛ أي ممارسات عدوانية ناتجة عن إدراك داخلي بزوال نظام القطب الواحد ووهن أساس هذا الصرح رغم ارتفاعه، وما الاعتداءات على السيادات، والاستهتار بالقانون الدولي، واختطاف الرؤساء – كما يذكر المقال – ليست تعبيرا عن قوة حقيقية، بل هي علامات على ضعف أخلاقي وسياسي، وهروب إلى الأمام أمام أفول نموذج الهيمنة. القوة الحقيقية، بحسب الرؤية المطروحة، تكمن في العدل واحترام الإرادات الحرة، وليس في تحويل العالم إلى ساحة لتصفية حسابات تضخم الأنا المريضة.

ويحدد الكاتب طريق المواجهة مع هذه المعضلة ليس في المقاومة المسلحة فحسب، بل وأساساً في “المقاومة بالوعي والإدراك والبصيرة”. إنها معركة ضد التضليل الإعلامي وصناعة “الوعي المعلب” الذي يشير إليه بالاستشهاد بكتاب “المتلاعبون بالعقول”. فتحرير الإرادة يبدأ بتحرير العقل من القيود الفكرية والثقافية التي تفرضها آلات الترويج لهذا النظام العالمي المشوّه.

ويختم قاضينا الجليل عبدالعزيز البغدادي مقاله بمقطوعة شعرية تبدأ بـ “سنظل نحلم ماحيينا عن وطن نسمو به”، ليعبر عن روح الأمل والثبات التي تنبض بها كتابته. فهذه الخاتمة ليست استسلاما للرومانسية، بل هي تأكيد على مبدأ الرفض: “نأبى الخضوع لمن يرفع رأسه أمام الكاميرا ويطأطئها للطغاة”. إنها دعوة إلى استعادة الكرامة الإنسانية المتأصلة التي ترفض الاستعباد.

وبذلك، يتجاوز المقال كونه نقدا مريرا للواقع، ليكون تذكيرا بإيمان مطلق بقوة الكلمة وقدرتها على التشريح والمواجهة. إنه يؤمن بأن أحلام الشعوب بالحرية والكرامة، مهما بدت مغيبة تحت وطأة الخناق، تظل حية في الضمير الجمعي. وأن اليوم الذي يُجبر فيه المستكبرون على الاعتراف بحق الإنسان في أن يكون سيدا على أرضه، حرا في وطنه، هو يوم حتمي، تختم له مسيرة البحث عن “البصيرة التي لا تخطئ”، بصيرة التمييز بين زيف القوة العابرة وصدق القيم الخالدة.

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. عولمة الفوضى الخناقة !

اقرأ أيضا: العلمانية: فهم المشترك والتحديات في السياق اليمني

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى