مشكلتنا ثقافية أكثر منها اقتصادية

مشكلتنا ثقافية أكثر منها اقتصادية
- حسن الدولة
الاحد 5 أبريل 2026-
تُعدّ الأزمات التي تمر بها المجتمعات العربية اليوم أبعد من أن تكون سياسية أو اقتصادية فحسب، بل هي في جوهرها أزمات ثقافية عميقة تمس طريقة التفكير والسلوك قبل أن تمس الواقع المادي. ومن أبرز هذه الأزمات ما يمكن تسميته بـ”مصائب الثقافة الخمس”، وهي غياب ثقافة الاعتراف، والاعتذار، والشكر، والتسامح، والاختلاف.
أول هذه المصائب هي ثقافة عدم الاعتراف. فالعقل الجمعي العربي كثيرًا ما ينظر إلى الاعتراف بالخطأ بوصفه ضعفًا أو انكشافًا، لا بوصفه فضيلة أخلاقية وخطوة أولى نحو الإصلاح. في حين أن المجتمعات الحية تُبنى على النقد الذاتي المستمر. وقد أشار فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير إلى أن قوة الأنظمة الليبرالية لا تكمن في كمالها، بل في قدرتها على تصحيح ذاتها عبر النقد المستمر، وهو ما نفتقده حين نُحاط بثقافة ترفض الاعتراف بالخلل أصلًا.
أما ثقافة الاعتذار، فهي غائبة إلى حد كبير، رغم أنها من أرقى مظاهر النبل الإنساني. لقد رسّخ الموروث الاجتماعي – وربما بعض التأويلات الخاطئة للتراث.
– فكرة أن الاعتذار انتقاص من الكرامة، بينما هو في حقيقته شجاعة أخلاقية. إن الإنسان الذي يعتذر يعترف بمسؤوليته، ويُعيد التوازن للعلاقات الإنسانية، وهو ما تحتاجه مجتمعاتنا بشدة.
وتأتي ثقافة الشكر كأحد أضعف الجوانب في سلوكنا اليومي. فالشكر ليس مجرد كلمات تقال، بل هو اعتراف بالفضل، وتعزيز لقيم العطاء والتقدير. المجتمعات التي تُجيد الشكر تُجيد أيضًا بناء الثقة والتكافل، بينما يغلب علينا للأسف الشديد الميل إلى الأخذ دون التعبير عن الامتنان، مما يُضعف الروابط الإنسانية ويُفقدها دفئها.
أما ثقافة التسامح، فهي من أكثر القيم التي أسيء فهمها. فبدل أن تُرى كقوة أخلاقية تعكس نُبل الإنسان وقدرته على تجاوز الأذى، تُفهم أحيانًا كضعف أو تنازل. بينما تؤكد التجارب الإنسانية أن التسامح هو أساس الاستقرار الاجتماعي.
وقد رسّخ القرآن الكريم قيمة نقد الذات حين أقسم بـ”النفس اللوّامة”، في إشارة إلى عظمة مراجعة النفس ومحاسبتها، وهو جوهر التسامح مع الذات أولًا ومع الآخرين ثانيًا.
وأخيرًا..
ثقافة الاختلاف، وهي حجر الأساس لأي مجتمع متنوع ومتوازن. إن رفض الاختلاف والسعي لفرض التماثل في الفكر والسلوك يُنتج بيئة خانقة تُقصي الإبداع وتُعزز النفاق. في المقابل، فإن احترام التعددية يُثري التجربة الإنسانية ويُنتج حلولًا أكثر نضجًا. ويُروى عن عمر بن الخطاب أنه دعا الناس إلى تقويمه إن أخطأ، فكان الرد بأنهم سيقومونه حتى بالسيوف إن لزم الأمر، في مشهد يعكس أسمى درجات قبول النقد والاختلاف.
إن تجاوز هذه المصائب الخمس لا يتطلب معجزات، بل يبدأ بإعادة بناء الوعي الفردي، وتعزيز قيم الصدق مع الذات، والتواضع، والانفتاح على الآخر. فالمجتمعات لا تتغير بقرارات فوقية، بل بثقافة يومية تتجذر في سلوك الأفراد.
مساءكم وعيٌ… وتسامحٌ… وتعايش.
اقرأ أيضا:الأوقاف في اليمن.. بين الرسالة الدينية وواقع الحال





