كتابات فكرية

قراءة لمقال “من التشطير إلى اللادولة” للقاضي عبدالعزيز البغدادي

قراءة لمقال “من التشطير إلى اللادولة” للقاضي عبدالعزيز البغدادي

  • بقلم: حسن الدولة

الأربعاء 20 مايو 2026-

يأتي مقال القاضي عبد العزيز البغدادي “من التشطير إلى اللادولة” والمنشور في صحيفة “صوت الصوت الشورى” الالكترونية مساء أمس الأول 18 مايو الجاري، يأتي في لحظة يمنية شديدة التعقيد، حيث لم يعد الحديث عن الوحدة أو الانفصال مجرد تباين سياسي أو سجال فكري بين النخب، بل أصبح حديثا عن وطن يتآكل من الداخل وتعبث به مشاريع الحرب والتشظي والارتهان للخارج. وقد حاول القاضي البغدادي أن يضع يده على الجرح حين تساءل: هل من الوطنية أن نتجاهل واقع التمزق الذي نعيشه حتى نبدو وحدويين عقلاء، أم أن الواجب الوطني يقتضي مواجهة الحقيقة كما هي، مهما كانت قاسية ومؤلمة؟.

لقد أصاب القاضي حين أكد أن كلمة “الوحدة” ليست بديلاً عن الوحدة الحقيقية، وأن الشعارات مهما ارتفعت لا يمكن أن تبني وطنا أو تصنع دولة أو توفر للناس أمناً وعدالة وكرامة. فالوحدة ليست مهرجانا سنويا ولا راية تُرفع في المناسبات، بل مشروع دولة حديثة قائمة على المواطنة والقانون والشراكة المتكافئة.

ولذلك فإن النقد الصادق للتجربة الوحدوية لا يعني جلد الذات، كما يحاول البعض تصويره، بل هو محاولة لإنقاذ ما تبقى من معنى الوحدة بعد أن تحولت ـ بفعل السياسات الخاطئة ـ إلى ذكرى مثقلة بالخيبات في وجدان كثير من اليمنيين.

لقد كانت الوحدة اليمنية حلما تاريخيا لكل اليمنيين، وكان الأدباء والمثقفون اليمنيون من أوائل من بشّروا بها قبل السياسيين، حين أسسوا اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين من الشطرين، وكان الحزب الاشتراكي اليمني أكثر الأطراف حماسا لتحقيق الوحدة الاندماجية، انطلاقا من قناعة فكرية ووطنية بأن المستقبل لا يمكن أن يبنى إلا في إطار دولة يمنية موحدة.

غير أن المفارقة المؤلمة أن القوى التي عارضت مشروع الدولة المدنية الحديثة قبل الوحدة، هي ذاتها التي تحكمت بمسار الوحدة بعد قيامها. فقد وقف تيار الإسلام السياسي ممثلاً بحزب الإصلاح ضد مسودة الدستور، وخرج الشيخ عبدالمجيد الزنداني مهاجما بعض مواده، وانزل مقالات تحت عنوان ” ثغرات في الدستور” خصوصا المادة الثالثة المتعلقة بالتشريع، بينما كانت قوى أخرى في الشمال ترى أن الوحدة ينبغي أن تكون كونفيدرالية أو فيدرالية تحفظ موازين القوى التقليدية، في حين ذهب الجنوب إلى الوحدة الاندماجية الكاملة بحسن نية ورغبة صادقة في بناء دولة حديثة.

لكن ما حدث بعد إعلان الوحدة أن الشمال لم يتخلَّ عن بنيته التقليدية القائمة على تحالف القبيلة والعسكر والإسلام السياسي ومراكز النفوذ، بينما دخل الجنوب إلى الوحدة وهو يتصور أن نموذج الدولة والمؤسسات والقانون سوف يُعمم على كامل البلاد. ولذلك تحولت العبارة الشهيرة “الأخذ بأفضل ما في النظامين” إلى واقع مختلف تماماً، حيث جرى عملياً تعميم أسوأ ما في نظام الجمهورية العربية اليمنية، فعادت هيمنة المشايخ، وانتشرت مراكز القوى، وتكرس حمل السلاح، بينما تراجعت مفاهيم الدولة المدنية والمؤسساتية التي كان الجنوب قد حاول ترسيخها، ولو بحدود معينة.

ومن أخطر المؤشرات التي كشفت مبكراً هشاشة الشراكة الوطنية سلسلة الاغتيالات السياسية التي استهدفت كوادر الحزب الاشتراكي اليمني بعد الوحدة، حيث تم اغتيال أكثر من مئة وتسعين قيادياً وكادرا عسكريا وأكاديميا وسياسيا، في ظل صمت الدولة أو عجزها أو تواطؤها، الأمر الذي نسف الثقة بين شريكي الوحدة، وأدخل البلاد في أجواء من التوتر والاحتقان السياسي. ثم جاءت الحوارات التي سبقت وثيقة العهد والاتفاق، وهي الوثيقة التي رعاها الملك حسين بن طلال في الأردن، باعتبارها آخر محاولة عقلانية لإنقاذ الوحدة من الانفجار، حيث تضمنت إصلاحات جوهرية تتعلق بإعادة هيكلة الجيش، والفصل بين السلطات، واللامركزية، وإنهاء هيمنة مراكز القوى التقليدية. لكن القوى النافذة كانت قد حسمت أمرها باتجاه الحرب، لأن مشروع الدولة كان يتعارض مع مصالحها.

لقد شكلت حرب صيف 1994م أخطر نقطة تحول في تاريخ اليمن الحديث، لأنها لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين سياسيين، بل كانت لحظة انتقال الوحدة من شراكة سياسية بين دولتين إلى وحدة بالقوة والغلبة العسكرية. وقد رفع الرئيس السابق علي عبدالله صالح شعار “الوحدة أو الموت”، ثم أعلن لاحقا أن “الوحدة عُمِّدت بالدم”، غير أن الدم الذي سُفك في تلك الحرب لم يعمد الوحدة، بل عمّق الانفصال ونكأ جروحا ما تزال تنزف حتى اليوم. فمنذ انتهاء الحرب بدأت عملية اجتياح سياسي واقتصادي وإداري للجنوب، تمثلت في تصفية المعسكرات الجنوبية، وتسريح عشرات الآلاف من الضباط والجنود والموظفين المدنيين، ونهب الأراضي والثروات، وتحويل الممتلكات العامة إلى غنائم توزعت على المتنفذين وقادة الحرب وشيوخ القبائل ومراكز النفوذ.

وقد تداولت الصحف آنذاك رسائل موجهة من نافذين للحصول على مساحات شاسعة من الأراضي في حضرموت وعدن وغيرها، حتى باتت الدولة وكأنها شركة خاصة تديرها شبكة فساد مرتبطة بالسلطة والتحالف القبلي والديني والعسكري الذي قاد الحرب. ولم يكن ذلك مجرد فساد إداري عابر، بل كان تعبيرا عن انهيار فكرة الشراكة الوطنية نفسها، إذ جرى عملياً تعميم نموذج الجمهورية العربية اليمنية على كامل البلاد، وإلغاء روح الوحدة التي قامت على التعددية والتوازن السياسي والدستوري.

ولهذا لم يكن مستغربا أن تبدأ في الجنوب حركة احتجاجية واسعة، انطلقت في البداية بمطالب حقوقية تتعلق برواتب المسرحين واستعادة الأراضي المنهوبة وإنهاء التمييز، قبل أن تتطور ـ نتيجة تجاهل السلطة ـ إلى المطالبة بفك الارتباط. ومن المهم التذكير هنا بأن علي سالم البيض عندما أعلن في 1994م قيام “جمهورية اليمن الديمقراطية” لم يلغِ دستور الوحدة ولا وثيقة العهد والاتفاق، بل اعتبرهما مرجعية دستورية للدولة الجديدة، وكأنه كان يوجه رسالة مفادها أن المشكلة ليست في الوحدة كمبدأ، بل في الطريقة التي جرى بها الانقلاب على أسسها الدستورية والسياسية.

إن القاضي عبدالعزيز البغدادي في مقاله موضوع هذه القراءة كان محقا حين تحدث عن الانتقال من التشطير إلى اللادولة، لأن اليمن ـ رغم انقسامه قبل 1990 ـ كان يمتلك دولتين ومؤسسات وحدودا واضحة للسلطة، بينما تحولت البلاد اليوم إلى سلطات، بينما هي من اسس ” اللادولة” وصارت اليمن فضاء مفتوح لسلطات وتدخلات خارجية وفي ظل “لا دولة” ولا هوية جامعة. والمفارقة المؤلمة أن من رفعوا شعار الدفاع عن الوحدة هم أنفسهم من أوصلوا اليمن إلى هذا المصير الكارثي، عبر الفساد والإقصاء وتوظيف الدين والقبيلة والعسكر لخدمة السلطة والثروة.

وفي العام 2014–2015م تحالف علي عبدالله صالح مع أنصار الله، بعد أن كان قد خاض ضدهم ست حروب ظالمة. وهو ما يكشف أن تحالفاته لم تكن قائمة على مشروع وطني أو عقائدي، بل على منطق السلطة وإعادة إنتاج النفوذ، تماما كما تحالف في 1994م مع الإسلام السياسي السني ممثلا بـ التجمع اليمني للإصلاح. وهكذا انتقلت اليمن من حالة التشطير السياسي بين دولتين إلى حالة التشظي الكامل بين مليشيات وسلطات متنازعة ورعاة إقليميين ودوليين.

لقد انهارت الدولة: عسكرياً، ومؤسسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، حتى أصبحت اليمن ساحة مفتوحة للحروب بالوكالة والتدخلات الخارجية، وتحولت السيادة الوطنية إلى سلعة في سوق المصالح الإقليمية والدولية. ومن هنا فإن أي حديث عن استعادة الوحدة دون الاعتراف بجذور الأزمة سيظل مجرد تكرار للشعارات القديمة. فلا يمكن بناء وحدة حقيقية دون عدالة انتقالية ومحاسبة للمسؤولين عن الحروب والانتهاكات ونهب الأراضي والثروات وإقصاء الشركاء، كما لا يمكن بناء مصالحة وطنية حقيقية دون رد المظالم والاعتراف بالأخطاء.

ولذلك فإن مخرجات مؤتمر الحوار الوطني ومسودة الدستور، رغم ما شابهما من قصور، مثلتا محاولة لإعادة تأسيس الدولة اليمنية على أسس جديدة تقوم على الشراكة والعدالة والدولة الاتحادية، غير أن الحرب اللاحقة أجهضا تلك الفرصة. ومن هنا تبدو الدعوات التي تتجاوز كل هذه الوقائع وكأنها تطالب اليمنيين بنسيان التاريخ والقفز فوق الجراح دون علاج أسبابها الحقيقية.

إن اليمن اليوم بحاجة إلى مصارحة وطنية شجاعة، لا إلى إعادة إنتاج الأوهام. فالوحدة ليست مقدسة إذا تحولت إلى وسيلة للنهب والإقصاء والقمع، والانفصال ليس حلاً إذا كان سيقود إلى مزيد من التشظي والارتهان. وما بين الوحدة القسرية والانفصال الفوضوي يبقى الحل الحقيقي في بناء دولة عادلة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية وسيادة القانون.

ولعل ما قاله الشاعر نزار قباني في قصيدته “دفاتر النكسة” يلخص مأساة اليمن منذ أن تحولت الوحدة من مشروع وطني جامع إلى غلبة وسلطة وثروة وحرب:

لو أننا لم ندفن الوحدة في التراب

لو لم نمزق جسمها الطري بالحراب

لو بقيت في داخل العيون والأهداب

لما استباحت لحمنا الكلاب.

اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. اليمن من التشطير الى اللادولة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى