عقيدة الثبات وفرض المعادلات.. اليمن من الهدنة الجوفاء إلى كسر الحصار

عقيدة الثبات وفرض المعادلات.. اليمن من الهدنة الجوفاء إلى كسر الحصار
محمد أحمد الشميري
الاحد 5 يوليو 2026-
الله سبحانه وتعالى وضح أن الصفات الذميمة، وحب الشر للآخرين، من صفات المنافقين:
“الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ”
هذه صفاتهم وهذه سماتهم.
لماذا؟
لأنهم قد خرجوا من دائرة النور، الذي يشع فضلًا، ويفوح خيرًا.
“نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ”
فما وصفهم؟
وما وضعهم بالنسبة لكم كأمةٍ مؤمنة؟
“إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ”
هذا هو التوصيف الحقيقي لدول التحالف المعتدية على اليمن، بقيادة السعودية المنتهكة لحقوق الجوار
والصراع بين الحق والباطل، والخير والشر ميدانه واسع، ومجالاته متعددة، وهذا ما يحاول الأعداء مزاولة النشاط فيه، بالحرب الصلبة، والناعمة، بكافة أشكالها، كالتجنيد والارتزاق وزرع العملاء، وغيره عبر مجالات عديدة ومتنوعة، وبأساليب مختلفة، إلا أنها أصبحت خاسرة، وباءت بالفشل
والله أمر المؤمن بالثبات على موقفه في ميادين الصراع بقوله: “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ”
والمؤمن يجب أن يكون أشد قوة، وأشد ثباتًا أمامهم “وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ”، “فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّـهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ” فبقدر ما حث الله المؤمن على الثبات والاعتزاز بالنفس والموقف، واعتبر ذلك شرطًا في تحقق الإيمان، احتسب أجر ذلك العمل غير منقوص، وأشار إلى وقوفه ومعيته مع المؤمنين، وأي سبب أوثق وأصدق من سبب بينك وبين الله إن أنت أخذت به، “وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ”، إضافة إلى ذلك وعد سبحانه بالنصر بتأكيد عجيب
“وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّـهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ”
وبعد أن استمرت الهدنة الجوفاء لأكثر من أربع سنوات بقي الوضع فيها معلقًا بين حالة اللا سلم واللا حرب مع استمرار الحصار الخانق وإغلاق مطار صنعاء؛ استنفد اليمن فترة إعطاء الفرص لدول العدوان.
والله سبحانه اعتبر خوض المعارك من أجله سلوكًا إيمانيًا حتميًا، يقابله سلوك الكافرين في سبيل الطاغوت، ولما أمر بالتصدي والمواجهة والقتال لمن أعتبرهم أولياء الشيطان، أخبر سبحانه وفق معايير إلهية بوهن محاولاتهم، وضعف وليهم “الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا” وحصر ضرهم وكيدهم في نطاق الأذية فقط، مع الإشارة والوعد بهزيمتهم “لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ”
لأنهم في حقيقتهم أذلاء، وعاقبهم الله بالذلة، والمسكنة “ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِنَ اللَّـهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَباؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّـهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ”
بسبب كفرهم وتعديهم
“ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُون”
سواء كانوا كافرين أو منافقين لأنهم أصحاب موقف واحد، وحالة واحدة، ونفسية واحدة، والله سبحانه أخبرنا أن المنافقين والكافرين إخوة؛ لاتحاد موقفهم ونفسياتهم: “أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّـهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ”
هذا بالنسبة لدول العدوان، ووليهم الكافر اللعين
وفي المقابل بالنسبة للمؤمنين “مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ”
لأن هذه سماتهم، وهكذا يجب أن يكونوا، ولأن الواقع من تكالب أعدائهم عليهم، واستهدافهم، يفرض عليهم أن يكونوا كذلك
“وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”
وبهذه الصفات تحدث الله عنهم: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ”
ومع التطورات الإقليمية وفي جولة الحرب الأخيرة على إيران في نهاية فبراير 2026م، وفق تنسيق مشترك دخلت اليمن بتوجيه ضربات حساسة بالصواريخ، وإرسال الطائرات المسيرة على العدو، وحظر مرور السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، وتثبيت معادلة وحدة الساحات في نطاق محور الجهاد والمقاومة.
وأمام كل هذه الأذية، والطنين المؤقت تأثير إزعاجه، المواجهة بشجاعة هي الخيار الأمثل للتصدي لمثل هذه العواصف خاصة عندما تصدر من طرفٍ أهوج لا يعي إلا لغة الحسم، والمواجهة بحزم.
“وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ . أَ لا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّـهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّـهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّـهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ”
وفي طليعة العام الهجري 1 محرم 1448هـ، الموافق 16 يونيو 2026م أطل السيد القائد معلنًا عن مرحلة جديدة قادمة مختلفةً تمامًا عما مضى، ببيان وجه فيه التهاني للجمهورية الإسلامية في إيران، بما تحقق لها من نصر عظيم في مواجهة طاغوت العصر المستكبر: أمريكا وإسرائيل.
وأكد على الثبات في الموقف من أعداء الإسلام، اليهود الصهاينة، وأعوانهم، وفي المقدِّمة أمريكا وإسرائيل، وتضافر الجهود في التصدي للمخاطر والتحديات الناتجة عن الاستهداف العدائي الشامل من جهة تحالف العدوان بإشراف أمريكي، وتنفيذ سعودي عدواني ضد شعبنا العزيز، من الاحتلال لمساحة كبيرة من أراضيه، والسيطرة على الثروة الوطنية من نفط وغاز، وحصارهم وحربهم الاقتصادية الشاملة، حتى ينعم شعبنا العزيز بكامل الاستقلال والحرية، ويستفيد من ثرواته الوطنية، ويعيش بكرامة، وعزة، وخلاص من التبعية، ومن التدخل في شؤونه الداخلية، وتتحقق له النهضة الكبرى على أساسٍ من هويته الإيمانية.
كما أكد على الجهوزية المستمرة تجاه أي تصعيد أو تطورات في الوضع الراهن من جهة العدو الأمريكي والإسرائيلي، باستهداف المنطقة، أو السعي للانفراد بغزة من جديد، أو أيِّ ساحة في محور الجهاد، وبلدان المنطقة، وشعوب أمَّتنا الإسلامية، ودعا كافة الأمة للالتحاق بمحور الجهاد والمقاومة، والخلاص من الارتهان والخضوع لأعداء الإسلام
وسرعان ما جاءت الاستجابة في 7 محرم 1448هـ، الموافق 22 يونيو 2026م صدر بيان لقوات التعبئة العامة في الجمهورية اليمنية تعلن فيه الاستجابة لدعوة قائد الثورة، والجهوزية الكاملة والفورية لترجمة توجيهاته والسعي الجاد لتنفيذها وتجديد العهد للسيد القائد بالمضي في طريق العزة والكرامة، والثبات حتى تحقيق كامل أهداف ثورة الشعب اليمني في التحرر والاستقلال وإنهاء العدوان والاحتلال والحصار واستعادة الحقوق والثروات الوطنية، والتأكيد على عدم القبول بتجزئة المعركة، وتثبيت معادلة وحدة الساحات.
الأمر الذي ينبئ عن جهوزية عالية، واستعداد متقن لانتزاع حقوق الشعب اليمني كاملة. وفرض مسار جديد في التحرر والاستقلال واستعادة الثروات
لم تكن هذه البيانات مجرد شعارات، بل تُرجمت ميدانياً لكسر غطرسة الهيمنة. فبالتزامن مع الاستعداد لتشييع قائد الثورة الإيرانية السيد علي خامنئي (قدس سره)، بادرت طهران فجر الجمعة 18 محرم 1448هـ (3 يوليو 2026م) بخطوة جريئة لكسر الحصار بنقل المرضى والعالقين والوفد المشارك في التشييع وفق تنسيق مشترك بين صنعاء وطهران، يعزز تثبيت وحدة الساحات، ويكسر غطرسة الهيمنة المقيتة المفروضة بالحصار، وبدفع أمريكي قام تشكيلٌ منَ الطيرانِ الحربيِّ للعدوِّ السعوديِّ عندَ الساعةِ الـ 5:20 صباحًا بخرق أجواءَ المحافظاتِ اليمنيةِ في إطارِ محاولتِهِ لمنعِ طائرةٍ مدنيةٍ إيرانيةٍ كانتْ تقلُّ على مَتنِها أكثرَ من 200 مواطنٍ منَ العالقينَ والجرحى والمرضى منَ الهبوطِ في مطارِ صنعاءَ الدوليِّ الذي يُفرضُ عليهِ وعلى اليمنِ حصارٌ ظالمٌ لما يقربُ من 11 عامًا إلا أنَّ محاولتَهُ باءتْ بالفشلِ بفضلِ اللهِ من خلالِ تصدي القواتِ المسلحةِ اليمنيةِ لِهذهِ المحاولةِ باستهدافِها بعددٍ من صواريخِ الدفاعِ الجويِّ وتمَّ إجبارُهُ على مغادرةِ الأجواءِ بحولِ اللهِ وقوتِهِ وفق بيان القوات المسلحة اليمنية المعلن بعد عصر يوم الجمعة 18 محرم 1448هـ، الموافقُ 3 يوليو 2026م، والذي جاء فيه تحذيرٌ للعدو السعودي من تكرارِ أي محاولة لخرق الأجواء اليمنية، وأن أي عدوان يستهدف بلدنا فسيقابلُ بردٍ شاملٍ يستهدف مطاراته ومصالحه الحيوية في البرِّ والبحرِ، مؤكدًا عدم القبول باستمرارِ الحصارِ السعوديِّ الأمريكيِّ الظالمِ على بلدنَا إلى ما لا نِهايةَ مشددًا على ضرورة إنهاء الحصار والوصاية على مطار صنعاء الدولي، معلنًا استمرارِ الرحلاتِ بينَ مطاري صَنعاء وطهران لفكِّ الحصارِ والمعاناةِ عنْ شعبِنا اليمنيِّ العزيزِ المظلومِ مهما كانتِ النتائجُ والتداعياتُ.
ويشيد ويثمنُ بإجلالٍ وتقديرٍ بموقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية في المبادرة بكسر الحصار ونقل المرضى والعالقين والوفد الرسمي والشعبي المشارك في تشييع الشهيد السيد علي خامنئي رضوان الله
وبيان القوات المسلحة اليمنية جاء ترجمة فعلية لبيان السيد القائد، وتأخر إعلانه ينبئ عن قرار حاسم اتخذ بعد تشاور ودراسة دقيقة؛ ليفرض قواعد اشتباك جديدة وفق ما تريد اليمن لا وفق ما تسعى إليه دول التحالف
إن هذا القرار الحاسم الذي اتُخذ بناءً على دراسة دقيقة، جاء ليفرض قواعد اشتباك جديدة ترتكز على القوة الإيمانية والثبات الميداني. وإن أي توعد سعودي لاحق لا يعدو كونه زوبعة تضعه أمام خيارين أحلاهما مر: إما التهور والانتحار، وإما التراجع والانسحاب متجرعًا مرارة الهزيمة كما حدث في جولات سابقة.
اقرأ أيضا: العصبية القبلية بقلم المفكر والاديب الكبير القاسم بن علي الوزير




