صالح الصمّاد ومنهجية الدولة الخادمة: قراءة تحليلية في نموذج حكم استثنائي

صالح الصمّاد ومنهجية الدولة الخادمة: قراءة تحليلية في نموذج حكم استثنائي
بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف
الاحد 25 يناير 2026-
في سياقٍ يمنيٍّ بالغ التعقيد، تَشكَّل نموذج الرئيس الشهيد صالح علي الصمّاد بوصفه حالة سياسية وإدارية نادرة، ليس فقط بسبب قصر فترة تولّيه رئاسة المجلس السياسي الأعلى (2016–2018)، بل بسبب المنهجية التي حاول ترسيخها في إدارة الدولة أثناء الحرب، لا خارجها. وهو ما يجعل تجربة الصمّاد جديرة بالتحليل، لا بالتقديس ولا بالتبسيط.
أولًا: المنهجية السياسية – من “سلطة الأمر” إلى “مسؤولية الفعل”
أبرز ملامح المنهجية السياسية التي اعتمدها الرئيس الشهيد صالح الصمّاد يمكن توصيفها ضمن ما يُعرف في علم السياسة بـ “الحوكمة في ظروف الصراع” (Governance in Conflict Settings)، حيث لم يتعامل مع السلطة بوصفها امتيازًا، بل باعتبارها تكليفًا وطنيًا مرتبطًا مباشرة بمعاناة المجتمع.
تغليب مفهوم الدولة على منطق الجماعة
في خطابه السياسي العلني، كان الصمّاد حريصًا على استخدام مصطلحات مثل الدولة، المؤسسات، الخدمة العامة، المسؤولية الوطنية، بدلًا من الخطاب التعبوي الضيق. وقد سعى – نظريًا وعمليًا – إلى تثبيت فكرة أن بقاء الدولة هو شرط بقاء المجتمع، حتى في ظل الحرب.
رفض الحياد الأخلاقي في زمن العدوان
لم ينطلق الصمّاد من منطق “إدارة أزمة” فقط، بل من منطق الدفاع عن السيادة والوظيفة الاجتماعية للدولة، معتبرًا أن الحياد في لحظة العدوان يُنتج دولة مشلولة، لا دولة متوازنة.
الاستقلال النسبي في القرار الوطني
حاول الرئيس الشهيد الحفاظ على مسافة واضحة بين القرار السياسي ومتطلبات الواقع الإقليمي، وهو ما ظهر في خطابه المتكرر حول “القرار الوطني المستقل”، حتى وإن بقي هذا الاستقلال نسبيًا بحكم موازين القوى.
ثانيًا: المنهجية الإدارية – الدولة كخدمة لا كغنيمة
إداريًا، يمكن توصيف تجربة الصمّاد بأنها محاولة للانتقال من الدولة الزبائنية (Patrimonial State) إلى الدولة الخادمة (Service-Oriented State)، وهي نقلة صعبة في السياق اليمني.
النزول الميداني وكسر البيروقراطية
اعتمد الرئيس الشهيد أسلوب الزيارات المفاجئة للمؤسسات، والالتقاء المباشر بالمواطنين والموظفين، وهو سلوك إداري يهدف إلى:
تقليص الفجوة بين مركز القرار والواقع.
كسر الجمود البيروقراطي.
تحميل المسؤولين مسؤولية مباشرة أمام القيادة والمجتمع.
ربط المنصب بالمسؤولية لا بالامتياز
في أكثر من خطاب، شدّد الصمّاد على أن الوظيفة العامة ليست “تشريفًا”، بل “تكليفًا”، وهو مبدأ إداري جوهري في نظريات الإدارة العامة الحديثة، لكنه نادر التطبيق في الدول الهشّة.
أولوية الخدمات الأساسية رغم الحرب
ركّزت توجيهاته على استمرار:
التعليم
الصحة
الكهرباء والمياه
صرف المرتبات (ضمن الإمكانيات)
وهو ما يعكس فهمًا عميقًا لوظيفة الدولة بوصفها ضامن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، لا مجرد كيان سيادي مجرّد.
ثالثًا: هل نجح الصمّاد في ترسيخ مفهوم الدولة الخادمة؟
الإجابة العلمية تقتضي التمييز بين النجاح المنهجي والنجاح البنيوي.
منهجيًا: نعم، نجح الصمّاد في:
إعادة تعريف دور القيادة السياسية.
ترسيخ خطاب المسؤولية الوطنية.
تقديم نموذج شخصي متقشّف ومنضبط، انعكس على صورة الدولة.
بنيويًا: النجاح بقي محدودًا، بسبب:
الحرب الشاملة والحصار.
ضعف الموارد.
تراكمات عقود من الفساد الإداري.
بنية الدولة الهشّة أصلًا.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لتجربة الصمّاد لا تكمن في النتائج النهائية، بل في إعادة طرح سؤال الدولة في اليمن:
هل الدولة سلطة تتحكم بالمجتمع، أم أداة لخدمته؟
خاتمة: الصمّاد كنموذج… لا كذكرى
اغتيال الرئيس الشهيد صالح الصمّاد لم يكن استهدافًا لشخص، بل لمنهج سياسي وإداري يحاول إعادة الاعتبار لفكرة الدولة الوظيفية في زمن التفكك. ولذلك، فإن استحضار تجربته يجب ألا يكون شعاراتيًا، بل نقديًا تحليليًا، بهدف البناء عليها، لا تحويلها إلى أيقونة جامدة.
فالدول لا تُبنى بالنيات وحدها، لكن النيات الصحيحة تفتح الطريق لمنهج صحيح.
المراجع والمصادر (إرشادية):
خطابات الرئيس الشهيد صالح علي الصمّاد (2016–2018).
تقارير وزارة الخدمة المدنية حول الأداء المؤسسي خلال فترة رئاسته.
UNDP – Governance in Conflict and Post-Conflict Settings.
Max Weber, Economy and Society – مفهوم الدولة البيروقراطية.
World Bank – Service Delivery in Fragile States.
دراسات يمنية حول بنية الدولة والحوكمة أثناء الحرب.
اقرأ أيضا: عبدالرقيب عبدالوهاب: بطل السبعين… وأول رئيس أركان تنتخبه وحدات الجيش




