العلم.. ومحاولة تديينه

العلم.. ومحاولة تديينه
- امين الجبر
الجمعة 8 مايو 2026-
لأن العلم نتاج عقلي إنساني، ومعطى معرفي بشري، يتعاطاه كل ذي عقل وفهم، فإن له منطقه الخاص ومنهجه الاستقرائي الذي لا يتقيد بحدود الإيمان أو اللاإيمان، ولا تحكمه اعتبارات الهوية والانتماء. ومن ثم فإن محاولة تديين العلم، أو إضفاء طابع عقدي عليه، ليست سوى عبث فكري وسفسطة لا تسندها حقائق الواقع.
فالعلم، في جوهره، مشترك إنساني عام، وهبة عقلية مفتوحة للبشر جميعا، بصرف النظر عن أديانهم وثقافاتهم وخلفياتهم الفكرية. وقد ساهمت أمم وشعوب متعددة، عبر التاريخ، في بناء هذا التراكم المعرفي وتطوير أدواته ومناهجه حتى بلغ ما بلغه اليوم من اتساع وتأثير.
والواقع الموضوعي يؤكد ذلك بوضوح؛ إذ إن الشعوب التي أخذت بأسباب العلم استطاعت تحقيق قفزات حضارية هائلة، أيا كانت مرجعياتها الدينية أو الثقافية. وهو ما يثبت عالمية الحضارة وإنسانيتها، ويؤكد أن التثاقف والتفاعل بين الأمم قانون تاريخي لا يمكن تعطيله، حيث تؤثر الحضارة الأقوى في الأضعف، وتتبادل الشعوب الخبرات والمعارف عبر الزمن.
وفي المقابل، تبدو نظريات المؤامرة، وأوهام احتكار الحقيقة، وادعاءات خوصصة العلم باعتباره اصطفاء إلهيا محصورا بفئة دون أخرى، مجرد تصورات هشة يناقضها الواقع وتدحضها التجربة الإنسانية.
كما أن محاولة خلقنة العلم، أو الزعم بطهورية مصادره وقدسية مرجعياته، وحصر مشروعيته ضمن شروط أيديولوجية أو تصورات ميتافيزيقية، لا تختلف عن الشطط الفكري الذي يرفضه العقل وتكذبه الوقائع.
وأمام هذا السعي نحو توظيف العلم واحتكاره، يبرز سؤال إشكالي: من نحن حتى يتآمر علينا العالم؟ وماذا نملك أساسا في المجال العلمي حتى ينشغل الآخر بتزييف أحلامنا أو محاربة أفكارنا؟
علينا أن ندرك أننا ما زلنا في أدنى مراتب السلم العلمي، وأن العلم، بوصفه مشتركاً عقليا إنسانيا، لا يقبل الاختزال أو التطويع وفقا للرغبات الأيديولوجية والأوهام الميتافيزيقية. فهو لا يزدهر إلا في فضاء الحرية، ولا يتطور إلا داخل بيئة علمية خالصة، بينما تشكل ثقافة الاحتواء وأيديولوجيا التأطير بيئة طاردة له ومعيقة لمساراته.
ومن يحاول النأي بنفسه عن منجزات العلم، أو يعمل على شيطنته والتشكيك في براهينه بذريعة الحفاظ على الهوية والاستقلال الفكري، فإن الزمن كفيل بتجاوزه، لأن حركة التاريخ لا تنتظر أحدا، مهما ادعى امتلاك الحقيقة أو أظهر استماتة في الدفاع عن قدسية أفكاره.
إن التحرر الفكري الحقيقي لا يعني التقوقع خلف الأسوار التقليدية، ولا التخندق ضد كل فكر مغاير، ولا التحصن من كل ما نعتبره وافدا، بل يكمن في الانفتاح الواعي على العلم وثقافته، وتقديم نموذج معرفي إنساني يتجاوز المحلية وضيق الأيديولوجيا.
وعليه، فإن محاولة تديين العلم وادعاء تمثيله حصرا، تبدو وهما يتهاوى أمام أبسط معطيات الواقع: كيف نفسر التقدم العلمي للصين الشيوعية؟ وكيف نفهم ازدهار أوروبا المسيحية؟ وكيف نبرر تفوق غير المسلم علميا في كثير من المجالات؟
أسئلة كفيلة وحدها بتحطيم أوهام احتكار العلم وادعاء امتلاكه.
إنه الوهم يا سادة.
اقرأ أيضا للكاتب:تعدد اللهجات في اليمن.. ثراء اللسان وسؤال الهوية
اقرأ أيضا:المواطن الذي رفض الألقاب .. عباس بن علي الوزير + صور




