ثقافة وسياحةكتابات فكرية

الإمام الشافعي شاعراً (١ – ٣)

الإمام الشافعي شاعراً (١ – ٣)

  • قادري أحمد حيدر

الثلاثاء 27 يناير 2026-

                                      ​

​مفتتح: من خارج وداخل العنوان

​في البداية يجب القول إنني مع إسلام بدون مذاهب، وتعبير (إسلام بلا مذاهب) هو عنوان كتاب للدكتور مصطفى الشكعة؛ ولذلك العنوان والمعنى علاقة من طرف خفي بسلوك والدي الديني الإسلامي في حياته الخاصة والعامة، تركت آثارها الايجابية على من حوله.

​انتمائي وولائي العقلي والفكري والروحي هو لجوهر ولمعنى النص القرآني تحديداً وأولاً، والسنة المحمدية العظيمة المشهورة والمعلومة المدونة التي لا اختلاف حولها بين جميع المذاهب ثانياً، بما يتوافق مع النص القرآني رؤية وموقفاً، بحيث لا تضع السنة في مواجهة النص أو في حالة مساوية له (1).

​أقول ذلك لأن المذاهب الإسلامية والفقه الإسلامي، بما فيه ما يسمى بـ”الشريعة”، جميعها جهد عقلي تفكيري تأويلي إنساني اختلافي وليس وحياً أو نصاً إلهياً مقدساً؛ وقد وصلت المذاهب في صراعها الذاتوي إلى حد عدم القبول بالاختلاف والتعدد والتنوع، وهو ما قادها إلى الصراع السياسي، وخاصة بعد ارتباط بعض رموز المذاهب بالسلطة تبريراً وشرعنة، في الفترة الأموية وما بعدها بما يخدم مصالحها.

​أو من خلال -كذلك- ربط ودمج بعض المذاهب فكرة وقضية الإمامة بالدين، وجعلها أصلاً من أصول الدين، غدت معه الإمامة جزءاً أو شيئاً من روح المعنى الديني.

​ومن هنا صدقية قول الإمام الشهرستاني في كتابه (الملل والنحل) ما معناه: “ما سُلَّ سيفٌ في الإسلام كما سُلَّ على وحول الإمامة”. ومن هنا فرقت المذاهب -بتعصبها اللاحق- المسلمين ولم توحدهم.

​ومن هنا أيضاً تبرز صعوبة اعتماد الفقه الإسلامي المصدر الوحيد للتشريع، وهو ما تعرض له الأئمة المختلفون وطرحوا رؤاهم الفقهية التي تحولت على يد مَن جاءوا بعدهم إلى مذاهب عصبوية، تجاه هذه المسألة أو تلك.

​لن أناقش رؤية الإمام الشافعي في كل ذلك، أي في الفقه وأصول الدين من اجتهاد وقياس وغيرها، مما يراه البعض أنه “الشريعة”، بينما هو واقعياً خلاصة اجتهاد الفقهاء.

​لقد كتب الإمام الشافعي في كتابيه “الرسالة” و”الأم” الكثير حول ذلك، على أن ما يعنيني في هذه القراءة هو رؤية الشافعي الحكيمة والحكمية في الفكر (النثر الأدبي) وفي (الشعر) على وجه الخصوص.

تقديري أن قول الشافعي في زمنه: “رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب”، هو قول فكري متقدم في سياقه المعرفي والفكري والثقافي والسياسي التاريخي.

​الإمام الشافعي ابن عصره؛ مفكر وفقيه وعالم لغوي وشاعر، وشعره حيثما ورد جاء مرتبطاً بالقيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية في شكل حِكَم صارت أقوالاً مأثورة تتردد عنه حتى اليوم، ولا يعلم من يرددها أنها في الأصل من شعر الإمام الشافعي.

​لقد جمع الشافعي بين الفقيه والشاعر والأديب، ويكاد يكون الوحيد الذي امتاز بجدارة بهذه الصفة.

​نسبه البعيد:

“هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب بن عبد مناف جد النبي محمد (ص)، ولد بغزة سنة 150 هـ وتوفي أبوه وهو ابن سنتين، فعادت به أمه إلى مكة” (2).

​- الإمام الشافعي أمه من الأزد يمنية:

“حملت محمد بن إدريس أمه إلى (عسقلان)، وكانت تعمر غزة قبائل من اليمن -كما كانت تسكن في غزة في حي أغلبيتهم يمنية (الباحث) -. ومع أن أم الشافعي من الأزد وهي قبيلة يمنية، فقد آثرت أمه أن تهجر أهلها لتحمل طفلها إلى مكة مخافة أن يضيع نسبه وحقه في بيت مال المسلمين من سهم ذوي القربى، فجهزته إليها ابن عامين” (3).

​- “الإمام الشافعي شاعراً” (4):

ليس عنواناً صحافياً للإثارة، بل محاولة خجولة وعلى استحياء من متطفل على معنى الشعر والنقد للتنبيه والإشارة إلى جانب مطمور ومستور عن العامة -غالبيتهم العظمى- من صورة وجوانب شخصية الإمام الشافعي، وهي دعوة للمختصين والمهتمين بالشعر وبالنقد الأدبي/ الشعري للالتفات إلى هذا الجانب من حياة وفكر وثقافة وأدب الإمام الشافعي الشاعر، وهي تكاد تكون حالة خاصة بين أئمة المذاهب الإسلامية جميعاً.

​ويمكنني الجزم بأن قدرات الشافعي اللغوية وملكاته الأدبية كانت إضافة نوعية لفكره الفقهي، بل إن المنحى الفقهي غطى على حضوره كشاعر مبدع؛ أي أنه في روحه شاعر كبير غلبه الشغل الفقهي.

​ومن المهم التأكيد أنه إمام مذهب فكري ثقافي ديني يمتلك روحية الشاعر، وليس إمام سلطة، أو داعياً لسلطة بالمعنى السياسي.

​”عُرف شاعراً بيد أن منزلته الشعرية أقل منها فقيهاً، غير أن روحه الشاعرة كانت تتمرد وتأبى أن يكتمها الفقه، فتطلق من عقالها بين حين وآخر (…) وعامة شعره لا يخرج عن الموعظة والحكمة” (5).

​الشافعي الشاعر تتردد حِكمه الشعرية اليوم على كل لسان عربي دون أن يعرف الكثيرون أنها له، مع أنها أقوال وجمل نثرية أدبية وشعرية يتردد صدى قولها في العديد من الأوقات والمناسبات ليدل ويؤكد بها ما يريد أن يذهب إلى قوله، مع أن الشائع عنه صفة الفقيه وإمام المذهب.

​وما يهمني هنا هو أقواله الحكيمة والحكمية في النثر حيثما وُجد، والشعر كنماذج عامة مختارة من مجمل أشعاره.

​ويصعب حقيقة الحديث عن “ديوان شعري” للإمام الشافعي بالمفهوم المتعارف عليه للديوان، فكل ما لدينا هو مقطوعات وأبيات جُمعت من بطون مراجع الكتب المختلفة.

​ومع أن الإسلام في صعوده الثوري الفكري والديني والسياسي كان في مواجهة مع “الوثنية العربية”، طالت هذه المواجهة -بهذه الدرجة أو تلك- الشعر الجاهلي باعتباره مرتبطاً بالمرحلة الجاهلية “الوثنية”، إضافة إلى القول القرآني الناقد للشعر والشعراء، مما أثر مؤقتاً على حركة الشعر، إلا أن الشافعي كفقيه وإمام مذهب، قال الشعر وكأنه يتحدى حالة ثقافية عامة، موظفاً إياه في إنتاج الحكم والأقوال التي صارت مأثورات.

​وهو الذي يتجاوز منطق رؤية شعر حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة… إلخ.

​والفضل في ذلك لجمعه الخلاق بين الفقيه واللغوي والشاعر، ولذلك كتب معبراً عن أزمة وضعيته كفقيه شاعر:

ولولا الشعرُ بالعلماءِ يزري … لكنتُ اليوم أشعر من لبيد (6)

​وهو قول شعري يحمل دلالات ذاتية وفكرية حول حالة ونفسية الفقيه الشاعر.

​ولذلك يكتب أحدهم:

“قد يكون عجباً للناس الذين لم يحيطوا بسيرة الشافعي علماً أن يقال لهم إنه كان شاعراً، ولكن هذا هو الذي كان، الشافعي كان شاعراً يجيد قول الشعر وإن لم ينصرف إليه، ولم يتوسع فيه؛ إذ كان مقلاً منه لانشغاله بالفقه والعلم.. وهذا المبرد يقول: (كان الشافعي من أشعر الناس وآدب الناس، وأعرفهم بالقراءات)” (7).

​ويقول الأصمعي: “صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس الشافعي.. كما قال الأصمعي: قرأت شعر الشنفرى على الشافعي بمكة.. وظل الشافعي يحفظ هذه الأشعار بنجوة من الذين يضيقون بها، فقد قال مصعب الزبيري: كان أبي والشافعي يتناشدان، فأتى الشافعي على شعر هذيل حفظاً، فقال: لا تُعلِم بهذا أحداً من أهل الحديث فإنهم لا يتحملون هذا (…) والشافعي كما يلوح لنا ذو فطرة وذو ملكة وذو استعداد وذو اقتدار على الانتفاع في صياغتها الشعرية بالمزاد الشعري الجليل الكبير الذي حفظه ووعاه” (8).

​خلاصة القول:

الشافعي مسلم قرشي عربي، وصل عمق ولائه للعربية حد إنكاره وجود كلمات أجنبية في القرآن (9).

​هذا التعصب للغة قريش، إلى جانب موهبته الشعرية، جعله يدخل في جدل فكري ولغوي طويل، حول خلو القرآن من المفردات الاعجمية، تعرض لذلك د. نصر حامد أبو زيد في كتابه (الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية)، وهي قراءة تفيض وتخرج عن حدود مطالعتنا هذه.

​في الحلقة الثانية والثالثة سيتم عرض وتقديم نماذج من شعره الحكمي، ومأثوراته القولية الحكمية الشعرية، بعد توزيعها على المناحي والأبواب المختلفة التي تعرض وتطرق لها شعره.

​أتمنى أن أكون قد وفقت في ذلك.

​الهوامش:

​انظر حول ذلك،١- زكريا أوزون: (جناية الشافعي تخليص الأمة من فقه الأئمة)، رياض الريس للكتب والنشر/ بيروت، ط(1)، 2005م، ص 17.

٢- ​ديوان الشافعي: الإمام محمد بن إدريس، جمع وتحقيق: د. صاحب خليل إبراهيم، مركز عبادي للنشر، صنعاء، ط(1)، 2001م، ص 11.

٣- ​عبد الحليم الجندي: (الإمام الشافعي ناصر السنة وواضع الأصول)، دار المعارف، مصر، ط(2)، 1982م، ص 27.

​٤- الإمام الشافعي شاعراً” عنوان لمادتين بحثيتين لـ د. محمد حافظ الشريدة ود. تشيش عمر، نشرتا تحت ذات العنوان. وبالمصادفة البحتة كان اختياري لعنوان بحثي قبل أن أطلع على بحثي الباحثين المذكورين.

 ٥- ​ديوان الشافعي: جمع وتحقيق د. صاحب إبراهيم خليل، مرجع سابق، ص 13.

 ٦- ​ديوان الشافعي: المرجع السابق، ص 32.

 ٧- ​د. أحمد الشرباصي: (الأئمة الأربعة)، دار الجيل، بيروت، ص 142.

 ٨- ​د. أحمد الشرباصي: مرجع سابق، ص 142-143.

٩- ​انظر مناقشة د. نصر حامد أبو زيد: (الإمام الشافعي والأيديولوجية الوسطية الإسلامية)، ص 12-13.

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. التسلط مرض مزمن هل له من دواء؟!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى