طيف في موكب الوداع

طيف في موكب الوداع
بقلم الأستاذ: زيد بن علي الوزير
السبت 10 يناير 2026-
غبت عن موكب الوداع الرهيب يا رفيقي في مرهقات الدروب
منعتني عن الحضور مآس واغتراب عن المكان الرحيب
وإنا إن رحلت فالقلب باق بين أهل وصحبة وحبيب
طفت حول الرفاق في يوم حزن سائر بينهم كطيف غريب
أتقرأ نعشاً “لطيفا” تهادى ذاهبا نحو مستقر رغيب
أه يا لطف غبت عنا فهبت فوق “صنعاء عواصف من كروبجف فيها النسيم، وانكسر الناي، ولم يبق غير صوت النحيب
كنت يا “لطف” بسمة الأمل الموعود في عالم الظلام الرهيب
إنّ إرثا تركته سوف ينمو في غد مورقا كغصن رطيب
***
لم ألتق به شخصياً، ولم تجمع الأيام بيننا، ولكني عرفته وجدانياً من خلال ما كتب، وعبر توصلنا كتابياً، ومن خلال أحاديثنا عبر الواتساب، فتكون لدي من هذا وذاك -إلى جانب من اثنى عليه- شخص صادق الإيمان، مهذب الأخلاق، صبور على معاناة الأيام، أبي النفس، مهذب الحوار، عميق الفكر، واضح البيان، ثابت على المبدأ، لا يساوم ولا يداهن، ولا يخاف في الله لومة لائم، قوال بالحق.
أبتلي بمرض فصبر، وتعاظمت عليه الأرزاء فشكر، وملك نفسه بشجاعة المؤمن فقاوم، ولم يشك، ولم يتأوه. كانت أخر مكالمة بيني وبينه قبل يوم واحد من انتقاله الى ربه، وارتحاله إلى مستقر لا يبلغه إلا الصابرون.
كلمني بلسان واثق بربه، عن مرضه الذي انتشر في كل جسمه، بلغة راضية مطمئنه، كأنه يحدثني عن قيامه بزيارة صديق حميم، وبصوت مطمئن خال من أي خوف أو وجل. كأن ليس به ضر ولا ألم، وخبرني عن قرب رحيله وكأنما يخبرني أنه سيقوم برحلة إلى هنا وهناك، لم أحس في كلامه رجفة مريض وإنما روح معنوية عائلية، بثت في نفسي الأمل بقوة صموده وأنه سيتغلب على أسقامه وأوجاعه. وكان حديثه ينساب بقوة انسياب نهر يتدفق.
وحقا حقا، أنى لم أحس وصوته ينساب في قوة: أن الداء قد تغلغل في الجسد المؤمن فصوته يدل على أنه قوي متين.
وأقفلت التلفون بالدعاء له بنجاح العملية، وبالشفاء العاجل، وبموافاتي غد بنجاحها وعودته سليما معافى إلى أهله فيسعدهم، وإلى رسالته يستأنف نشاطه الجهادي بقلمه الواضح البيان، الذي طالما أوضح الغامض وجلى المبهم في أسلوب بديع منطقي لا يترك وراءه جدلا إلا لمن يريد ألا يفهم ، ولم يخلطني شك في نجاح العملية، ونمت على أمل غد يحمل البشرى بنجاح العملية الرابعة او الثالثة. وما كنت أدرى أنها كانت أخر على أمل لقاء.
وفي الصباح الباكر فوجئت وايما مفاجأة بخبر رحيله، فصدمت وحزنت حزن صديق على خليل وفي، تكاملت فيه خصال الخير، وتناغمت خطاه في حياته على نسق إيمان ثابت، ففاضت عيناي من الحزن، وأعرف ان المصاب فوق كل عزاء فنحت مع “إيليا أبو ماضي”
يقول المعزي ليس يجدي الفتى البكاء *** وقول المعزي لا يفيد ولا يغني
أي ورب السماوات فقول المعزي لا يفيد ولا يغني أمام حقيقة رهيبة هي أن “لطف قشاشة” قد طار من الدوح، وترك العش، وحلق في رحاب الله؛ إلى الله.
وتنبهت إلى قول “الشاعر الكبير “أحمد شوقي وفي المصائب تستيقظ العبر وفي غمرة الحزن وذهول الصدمة وجدتني اردد قوله الحكيم:
دقات قلب المرء قائلة له أن الحياة دقائق وثواني
واستيقظت حقيقة ماثلة للعيان لا نتذكرها إلا عند رحيل قريب أو صديق أو حادث كبير، مهما تمر أمامنا مواكب متتابعة فلا نحس بها كما نحس برحيل حبيب وهذه الحقيقة الخالدة صورها الشاعر “الأخطل الصغير” بقوله:
أنت مهما عمرت غير جناح حطّ في الدوح لحظة ثم طارا
فشملتني كآبة ثقيلة أحاطت بأقطار نفسي من كل جهة، ولم أفق منها إلى بتذكر ما قاله “نبي الرحمة” رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم عندما فقد ابنه “إبراهيم” (إن العين لتدمع وإن لقلب ليخشع ولن نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون)
وإنا عليك يا لطف لمحزونون.
***
وغاب “لطف” في الملك الأعلى، وبقي الحزن، ومع الحزن تبقى الذكريات، وذكرياتك لن تغفو ولن تنام. ونموذج حياتك سيظل قدوة يتفيأ به عباد الله الصالحون.
كان “للطف” رسالة منذ أيامه المبكرة إلى أن التحق بربه، فقد كتب المقالات الطوال والصغار والرسائل الأخوية الناصحة على نسق واحد، تناغمت أفكاره مع تطبيقها، فعاش في رغد نفس، ورفاهية ضمير، لم يحس بقلق داخلي ينغص حياته، ويقلق أيامه، بل كان بما وهب الله سعيداً، قرير العين مرتاح الضمير.
ومع اختلاف رؤيته مع آخرين، إلا أن فراقه كان على أصدقائه ومخالفيه ذا أثر واحد، حزن على فراقه المؤالف والمخالف، وقليلاً ما يجمع الموت بينهما، ونادراً ما تتوحد القوب المتنافرة، بعد الموت إلا في حالة “لطف” فقد توافقت المشاعر بعظيم الحدث وغياب انسان بر كريم.
كان “لطف” عفيف اللسان، حسن الحوار، نبيل التعبير، لأسلوبه طلاوة، ولأحاديثه حلاوة، فأحبه الناس واكبروه، وساروا خلف جثمانه الطاهر يبكون على فراقه، ويتأسفون على رحيله المبكر، وليس ثمة دليل على كمال نبله من الإجماع على فضائل رجل تحاور مع مخالفيه بأدب ولطف.
وسوف يجد القراء في هذا الكتاب الذي عني بجمع معظم ما قيل فيه، صديقه الوفي إبراهيم الحبيشي” أمين “أمانة الفكر والثقافة” في “اتحاد القوى الشعبية” خصال رجل أدى ما عليه كما يجب أن تؤدى الأمانات. كما أن الأستاذ “إبراهيم الحبيشي” سيقوم بجمع مقالات المغفور له وأحاديثه في كتاب أخر وطبعه ونشره ليعرف من لم يعرفه أي “لطف” كان، واي انسان متكامل الأوصاف، ومن ثم أي رجل كان فقدته أمته وهي بحاجة اليه، ولله سبحانه وتعالى حكمة غامضة لا ندري كنهها، ولكنا راضون بما قد قضى سائلين الله سبحانه أن يلحق اخانا بالصديقين والشهداء وحسن رفيقا.
رضي الله عن “لطف” وجبر قلوب اهل لطف” وأعضاء اتحاد القوى الشعبية، والشعب اليمني جميعا.
وسلام عليه في الخالدين.
اقرأ أيضا: قراءة في المشروع الفكري للأستاذ لطف قشاشة المقاوم للهيمنة الغربية


