كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية .. الاختفاء القسري من أبرز جرائم إرهاب الدولة

  ​يوميات البحث عن الحرية .. الاختفاء القسري من أبرز جرائم إرهاب الدولة

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 31 أغسطس 2026-

​كل سلطة تحكم وطناً أو جزءاً منه، سواء كانت تزعم أنها سلطة شرعية دستورية أو تدعي أنها سلطة دينية تحكم بناءً على الحق الإلهي الذي لم يعد له وجود في كل العالم الذي يؤمن بالحق والعدل والحرية تُعد مسؤولة عن الوطن او الجزء الذي تحت يدها.

​كل سلطة تمارس فعل الحكم والتحكم، والتسلط والسيادة، مسؤولة مسؤولية كاملة عن مصير البشر الذين يعيشون تحت هيمنتها، وعن حياتهم وحريتهم وصيانة كرامتهم وحماية سيادة الدولة التي يُفترض أنها ملك كل أبناء شعبها.

 وما هي أي سلطة سوى خادم للشعب يقوم بخدمته مقابل ما يتقاضاه باسم حقوق وما ينهبه من جبايات وما يتصرف به من موارد واضحة أو مخفية، سواء كان ظاهر التصرف وفق القانون أو بالانتهاك الصارخ له ويحق للسعب محاسبته، وهذه مقتضيات الثورة والجمهورية.

​وبالمناسبة، وكما أكرر باستمرار، فإن كل ما تقوم به جميع السلطات التي تمارس أعمال السلطة في اليمن اليوم ومنذ عام 2011 هي سلطات أمر واقع، ولا يجب أن يفهم من كانوا جزءاً من النظام الذي قامت الثورة ضده أنهم كانوا سلطة شرعية بشكل كامل، أو أن نظام حكمهم لم يكن بحاجة لثورة لتغيير مساره.

​ما يجب أن نعيه أن ما حدث منذ 2011 وحتى اليوم ليس أكثر من مهزلة هدفها إجهاض معنى الثورة كما هو واضح والاستخفاف بالعقول التي خرجت إلى الساحات أو تحمست للحلم بالتغيير، بما يزيح شبح توريث الحكم الذي لا يعني سوى إلباس هذا الشعب ثوباً جديداً من ثياب العبودية، يعيد جوهر النظام الملكي على شكل جمهورية من طراز جديد، كما يقول ذوو الشعارات القاتلة للضمير والوجدان.

​هذه إيماءة بسيطة عن المشاعر التي تملكتني خلال المشاركة المتواضعة في مناقشة مسودة أجندة إطلاق الخارطة التفاعلية لضحايا وقائع الاختفاء القسري في اليمن قبل أسبوع بمقر منظمة “مواطنة” الرائدة التي تعنى بحقوق الإنسان؛ حيث سيطرت علي حالة حزن وأسى للحال الذي يعيشه اليمن بعد مرور حوالي 15 عاماً على الحلم الموءود بالثورة إياها.

​حيث يبدو واضحاً أن الثورة التي أُطلق عليها زوراً وبهتاناً “ثورة الشباب الشعبية السلمية”، والتي ادعى بعض أهم رموز الفساد الانضمام إليها—قادوها بسرعة إلى الهاوية، بعد أن زعموا أنهم انضموا مؤيدين ومناصرين ومعترفين بما ارتكبوه من أخطاء كما كان يردده ممثلوهم في العصابة الثورية التي تبين أنها قد انقضَّت على آلية تسيير الثورة الوليدة، بما في ذلك المنصة التي نُصبت أمام شعار الجامعة بما يحويه من إيمان وحكمة وكان الفكر غير الحر وغير الحكيم هو من يرسم ملامح الحرية التي يتم الحديث عنها عبر هذه المنصة.

​ولعل أبرز ثمار هذا الإيمان وهذه الحكمة ما وصل إليه واقع حقوق الإنسان في اليمن، وبصورة خاصة واقع الإخفاء القسري المريع الذي تمارسه اليوم سلطات الامر الواقع التي بسطت نفوذها في كل أنحاء اليمن المنزوعة من أي سيادة وطنية مستقلة.

ومن مساوئ الصدف ما تعرض له أحد الشهود في قضية من قضايا موظفي المنظمات الدولية والمجتمع المدني في قاعة المحكمة الجزائية المتخصصة غير الدستورية وغير الشرعية من محاولة اختطاف من جهة يُفترض أنها مسؤولة عن الأمن كان هذا في نفس يوم انعقاد الندوة كما بلغني.

 إن أي تصرف يقوم به ممثل الأمن يجب قطعا أن يكون تحت إرادة السلطة القضائية؛ لأن أجهزة الأمن بمختلف تخصصاتها إنما تمثل مأموري الضبط القضائي وتخضع لقرارات النيابة والقضاء في كل ما تقوم به.

​ولابد هنا من الإشادة بموقف المحامي الشاب هاشم محمد شرف الدين الذي وقف موقفا قانونيا وقضائيا شجاعا ضد ارتكاب جريمة اختطاف شاهد من قاعة المحكمة.  كما أن موقف القاضي المستجيب لصرخة المحامي ومنع جنود الامن الملثمين من اختطاف الشاهد يستحق التقدير نسبيا أما الموقف المفترض فيستوجب معاقبة من أمر بالاعتداء على الشاهد.

 الواقعة يصعب وصفها، لأنه لو تم الاختطاف لكان بمثابة اختطاف للعدالة. وحيث إنها كادت أن تتم لولا اعتراض المحامي، فإنه في هذه الحالة توجد جريمة شروع في اختطاف شاهد يجب أن يُعاقب من قام بها عملاً بما نص عليه الدستور والقانون وما أكدته الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.

​إذاً، بعيداً عن الجدل حول توصيف مصطلح “الاختفاء القسري”، هناك سبب جوهري لوجود هذه الجريمة وتصاعد أعدادها وتفاقم حالات الاختفاء وأساليبه؛ ألا وهو أن هناك عدم احترام واضح من قبل السلطة السياسية والتنفيذية وبشكل خاص الامنية أياً كان مستوى شرعيتها لاستقلال القضاء، وتزايد العوائق أمام وجود سلطة قضائية مستقلة كفؤة تتمسك بمبدأ سيادة القانون وتحترمه، ولا تخضع بأي شكل من الأشكال لأي ضغوط أياً كان مصدرها!

​لذلك، فإن من يمارس وظائف السلطة القضائية اليوم خاضع أو شبه خاضع لتدخلات السلطة السياسية والتنفيذية، وبوجه الخصوص الأجهزة الأمنية بكل تخصصاتها (الأمن العام أو الأمن السري). وهذه أبشع صورة تصل إليها أي سلطة استبدادية في العالم؛ لأن حياة الإنسان وحريته وماله وعرضه في ظل هكذا سلطة تكون مهددة بالانتهاك الصارخ!

​أما في ظل وضع الدولة اليمنية وما يشبهها إن وجد، فإن التوصيف الأقرب إلى الواقع في ظل استمرار حالة الانقسام والتشرذم هو أن الدولة اليمنية ذاتها تعيش حالة من حالات الاختفاء شبه التام، طالما كان مبدأ سيادة القانون والمواطنة المتساوية يعيش حالة الارتهان القائمة على مستوى كامل الساحة اليمنية وإن اختلفت النسب.

 لأن جوهر تلك الدولة المنشودة أن يكون لكل مواطن الحق في حرية الفكر والاعتقاد والتعبير عن آرائه وعقيدته بكل وسائل التعبير، وفي وجود سلطة قضائية مستقلة تكون ملاذاً آمناً ومفيداً لكل من يحتاج إليها لمواجهة ما يتعرض له، ولتصحيح مسار أجهزة الأمن والسلطات التنفيذية بما يتلاءم مع ممارسة سلطات الدولة المناط بها حراسة مبدأ سيادة القانون والحرص على تنفيذه.

​ومع تقديري لما تبذله منظمة “مواطنة” من جهود مشكورة في ظل الغياب شبه التام لبقية منظمات المجتمع المدني—هذا الجهد المتمثل اليوم في توثيق حالات الاختفاء القسري—فإن من المستغرب أن كثيراً من الإخوة المشاركين في الندوات وحلقات النقاش للمواضيع التي تشير من قريب أو بعيد إلى “العدالة الانتقالية”، يتعاملون وكأن الانتقال من حالة الاضطراب والثورة إلى حالة الاستقرار والسلام قد تم بالفعل!

​هذا ما يجعلني أكرر دائماً وباستمرار بأن اليمن في ظل هذا التشرذم والانقسام وعدم الاستقرار وموجات الحروب التي تهندس لها دول إقليمية ودولية لتكون حروباً بالوكالة، يحتاج من كل يمني وطني حريص على اليمن أن يركز جهوده باتجاه إنهاء هذا الانقسام الممول ممن يتدخل في شؤون اليمن وبشكل سافر وعدواني، مستثمراً بعض ضعاف النفوس الذين يتم شراؤهم ليكونوا أداة في تعميق الانقسام واستمراره وتعقيد المشهد اليمني ليكون مبرراً لاستمرار التدخل المنتهك لميثاق الامم المتحدة.

​وهذا أيضاً أكرره باستمرار: لأن التدخل المشروع يفترض أن تقوم به المنظمة الأممية باتجاه إجبار والضغط على جميع الأطراف المتصارعة والممَوَّلة على التسليم بضرورة استعادة الدولة اليمنية من خلال تنظيم انتخابات ديمقراطية نزيهة وحرة بإشراف دولي ممن ليس لهم يد فيما يجري في اليمن، واستبعاد الدول المُمَوِّلة لاستمرار الصراع على السلطة.

​باختصار: مصطلح “العدالة الانتقالية” هو مصطلح قانوني قضائي سياسي مكون من كلمتين (العدالة – الانتقال)؛ أي لا وجود لهذا النوع من العدالة بدون الانتقال إلى السلام والاستقرار وانتخاب سلطة تشريعية جديدة. وأول مخرجات السلطة التشريعية المنتخبة إصدار قانون للعدالة الانتقالية لا يستطيع أي من رموز النظام القديم المسؤول عن الانتهاكات والجرائم تحديد مساره أو الوقوف ضده.

​ويتضمن القانون عدم استمرار إساءة استخدام العفو العام من قبل السلطات السياسية المتعاقبة في اليمن، التي تتلاعب بين فترة وأخرى بمفهوم العفو العام وتحوله إلى دعاية سياسية لهذه السلطات أو تلك مستهترة بالمال العام والوظيفة العامة وما تعرض له المجتمع في فترات الاستبداد والفوضى والفساد، وكذا التأكيد على التزام الحدود المعروفة في الدستور والقانون حول مسألة الحصانات وحدودها!

​ويجب أن يكون معلوماً أنني لست ضد أي سياسة تصالحية، ولكن التصالح أيضاً له أصوله وقواعده المعروفة في العالم، وأهمها وضع الحد الفاصل بين الماضي والمستقبل السياسي، ولا يتم ذلك بدون العدالة بكل تأكيد أو بما يشبه العدالة؛ أما إهدار المال العام والوظيفة العامة فلا يؤدي إلى الحل العادل! ويصاحب أو يتبع الانتخابات البرلمانية الترتيب للانتخابات الرئاسية في مناخ من الحرية والسلام.

​أيها الميكروفون

توقف عن الهيجان

خفف الوطء

أظن الشمس وضَّاءة

والتراب يصيح:

واحسرتاه!

ضعاف النفوس لهم صولة

فكيف يكون لنا الفوز؟

وأين الطريق إلى وطنٍ

لا يساوم حكامه أو يبيعون؟!

اقرأ أيضا:البردوني.. ما فوق حكمة الفلاسفة، وما دون مقام المعجزات

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى