كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية .. الإفقار والتجهيل… أليست على رأس كل الجرائم؟

يوميات البحث عن الحرية .. الإفقار والتجهيل… أليست على رأس كل الجرائم؟

  • عبد العزيز البغدادي

الاثنين 3 أغسطس 2026-

​يقول علي ولد زايد:

​”الحرب حامي وبارد… في بارده ضرب بالسيف، والحار حرب الموائد.”

​وينسب إلى الصحابي الجليل علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) قوله:

​”لو كان الفقر رجلاً لقتلته.”

​وإلى أبي ذر الغفاري قوله:

​”عجبت لمن لا يجد قوت يومه في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه!”

أولاً: في مسؤوليّة السلطة وواجباتها تجاه الشعب

​لا مجال للتفريق بين حالة السلم وحالة الحرب أو العدوان؛ لأن أي سلطة يتوجب عليها إخراج المجتمع من حالة الحرب في أسرع وقت ممكن، كي لا تبقى ذريعة لتجويع المجتمع وتعريضه للإبادة. وأي سلطة تعجز عن ذلك، لا بد أن تعيد الأمر لأهله وهو الشعب؛ ليقرر ما يراه مناسباً وإفساح المجال لتوحيد الجبهة الداخلية، والتخلص من أسباب الجوع أولاً، ومواجهة أي عدو بالطرائق المناسبة ثانياً.

​ومن خلال الحديث عن الفقر، يتضح أن ظروف زمان المقولات التي أوردناها — تختلف عن ظروف زمننا، من حيث المهام والوظائف التي أسندها الشعب (صاحب الحق في السلطة والثروة حكماً) إلى القائمين بوظائف السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية ووفقاً للدستور، مقابل ما تتقاضاه هذه السلطات من مرتبات وحوافز واعتمادات تُصرف جميعها من حاصل الضرائب والجمارك ومختلف إيرادات الدولة، وكلها من جيب الشعب.

​ولهذا أُطلق على الشعب “صاحب الحق في السلطة والثروة” كما نكرر دائماً. ومرجع هذه المعادلة يبنى على أساس مصدر الحق وصاحبه (أي مالكه). أما من يحاولون إقحام الدين في هذه المعادلة بغرض الاستيلاء على هذا الحق، فإنهم يعتدون على صاحبه أو مالكه الطبيعي باسم “الحق الإلهي”، أو أي ادعاء آخر وهو عدوان يعتمد على أسطورة “أنهم وكلاء الله في الأرض”، وهم في الحقيقة المعتدون على حقوق الناس بالافتراء على الله.

ثانياً: الاقتصاد هو عصب الدولة الحديثة

​إن حالة الفقر تتضح أكثر في ظل السلطات القديمة، أي قبل أن تتسع موارد الدولة واختصاصات السلطة بحيث توجب عليها تنظيم العلاقة بين الموظف والوظيفة، وتخصيص جزء من الإيرادات للموظف مقابل أدائه لوظيفته، وإلزام السلطات —كلٌّ فيما يخصه— بأداء وظائفها في مختلف مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعسكرية والأمنية.

​والوظيفة في مجال الاقتصاد والمال أصبحت اليوم الوظيفة الأولى؛ لأن الاقتصاد هو عصب الحياة، ومصدر قوة الدول أو ضعفها يُقاس بدرجة أساسية من خلال قوة اقتصادها ومواردها المالية.

​ولهذا، فإن سبب فقر الدول التي تُوصف بالفقيرة يعود غالباً إلى ضعف أداء سلطاتها؛ إما في استخراج الثروات، أو نتيجة ارتباط بعض رموز هذه السلطات مع دول أخرى حريصة على إعاقة نمو بلدهم، لاعتقادهم الخاطئ أن قوة هذا البلد تشكل تهديداً لأمنهم، وهذا من أوضح أشكال الغباء. ومن يمارس هذا الإضرار بوطنه، إنما يمثل بسلوكه أقبح صور العمالة والانحطاط؛ إذ يصعب تصور وجود شخصيات في السلطة تفرط في مصلحة وطنها خدمة لوطن آخر، ولن يكون نصيبها ونصيب وطنها منه سوى الذل والمهانة.

​ثالثاً: واقع اليمن المنهوب والمسلوبة سيادته

​إن السلطات بسياساتها الفاشلة والفاسدة تمارس الإفقار الممنهج. وهذه ليست تهماً ولا تخيلات ناتجة عن هوس الاستسلام لدعايات نظرية المؤامرة، بل هو واقع يعيشه وطنٌ سُلبت سيادته تدريجياً على يد بعض المحسوبين من أبنائه، ممن سُلبت إرادتهم وضاعت بقايا وطنيتهم بين أكوام المال المدنس!

​ومع ذلك نسمع اليوم من يتغزل بأريحية وهدوء بنظام الدولة (أو الدول) التي تتجاذب أجزاء هذه السيادة وتتسلى بها مقابل دراهم معدودة تُصرف لهم كـ “أمراء حرب” من حقوق وثروات وطنهم المنهوبة.

​ومن يسأل: متى نُهبت هذه الدولة المبجلة والمقدسة من ثروات اليمن؟ ستجيبه جبال اليمن ووديانها وصحاريها ودماء شهدائها بالقول:

​”أيها الأخ الذي لا يعرف معنى الأخوة، والصديق الذي لا يعرف معنى الصداقة: لقد برهنتَ على أنك فاقد للإدراك أو عديم الوعي بما يجري لوطنك عبر تاريخه البعيد والقريب؛ لأن الدولة المقصودة لم تنهب فقط ثروات اليمن، وإنما احتلت ثلاثة أرباعه، وهي الأجزاء الأكثر أهمية موقعاً وثروة!”

​ولقد عيَّنت على أجزاء منه أمراء حرب يتقاسمون وهم “الشرعية المشبوهة”، أو يستثمرون دعاوى “الحق الإلهي”، متجاهلين كل هذه المعاناة التي يعيشها أبناء اليمن.

رابعاً: اليمن غنيٌّ بثرواته وتاريخه

​الفَقر هو ما يُوصف به الفقراء أفراداً وجماعات إذا كانت لديهم دولة قامت وتقوم بواجباتها ولكن البلد عديم الموارد، والحقيقة أنه لا يوجد بلد بلا موارد.

​أما اليمن، فلو وُجدت سلطات تحترم نفسها وشعبها، لكانت —وبدون أي مبالغة— أغنى دول الجزيرة العربية والخليج. وهذا ثابت في كل مراحل التاريخ القديم، قبل أن يستخرج الأجنبي النفط من تحت مضاجع النائمين فوق أراضيها؛ حيث أسس اليمنيون —وهم أولو قوة وأولو بأس شديد— دولاً ذات مكانة عالية، وجعلوا على رأسها امرأة في مراحل تأريخية عديدة، كرسالة تبين أن الحكمة لا تكمن في التفريق بين الذكر والأنثى أو إخضاعها له، وإنما تتجلى في احترام مكانة العلم والتكامل الإنساني بين الذكر والانثى.

​أما اليوم، فيا ويلاه مما يجري! حيث نلاحظ جماعات قفزت للتنازع على السلطة هنا وهناك، تمارس سياسة الإفقار والتجويع والتجهيل، مستخدمة سلطات “دولة بلا دولة”، ودون أدنى شرعية، ولا ذرة من ضمير أو حياء.

​جميعهم يستغلون المواطن الواقع تحت وطأة التجهيل الممنهج والإفقار والتجويع، ويرتكبون بحق الشعب اليمني ما يُعد استمراراً لسياسات مستمرة منذ أكثر من 1000 عام، وهي بكل تأكيد جرائم مستمرة بحق الإنسانية. ومن يمارس هذه الجرائم المنكرة، يُفترض ألا يتصرف وكأنه غريب لا يعنيه الوطن الذي هو وطنه أو يفترض أن يشعر بأنه كذلك.

خامساً: العدالة والدين وسيادة القانون

​”العدالة هي دين الدولة” وعلى السلطة العمل على تحقيق هذا الشعار على أرض الواقع، بعيداً عن الطائفية أو المناطقية أو أي شكل من أشكال العنصرية؛ لتثبت عملياً أن الدين لله وأن الوطن للجميع حقاً وصدقاً وعدلاً ويقيناً، وبدون أي نوع من الخداع أو المواربة أو النفاق.

​ومعنى “الدين لله” بنظري، أنه سلوك شخصي غير قابل للمأسسة والاستحواذ من أي طرف حَاكم أو مُتحكّم؛ لأنه يعتمد على مدى إيمان كل شخص به، وهو إيمانٌ بالغيب، ولا يجوز إجبار أي انسان على أن يؤمن بالغيب.

​وفي المقابل، يعتمد تسيير سلطات الدولة على عَلَم الشهادة (أي العلوم التجريبية والدنيوية) القائم على دراسة القضايا وإدارتها دراسةً لا تقبل التعليق على الغيبيات، مع احترام كل من يؤمن بالغيب كخيار شخصي. ويجب على سلطات الدولة أن ترعى حرية العقيدة وفق منظور النص القرآني الكريم:

(من شاء فليومن ومن شاء فليكفر).

باعتباره أصلاً واضحاً لحرية العقيدة في الإسلام.

​أفقرُ الناسِ

مَنْ لا يَرَى العَدْلَ

أَيْنَ يُقَامُ… وَكَيْفَ يُقَامْ!

​مَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ لِلْإِلَهِ وَكِيلٌ

أَتْعَسُ النَّاسِ هَذَا الدَّعِيّ،

وَذَاكَ الَّذِي بَاعَ مَا لا يُبَاعْ…

​وَطَنٌ يَسْتَحِقُّ الحَيَاةَ،

يَسْتَحِقُّ البَقَاءَ فِي حَنَايَا الصُّدُورِ،

وَفِي بُؤْبُؤِ العَيْنِ… يَا هَؤُلَاءْ!.

اقرأ أيضا:  غزو العراق للكويت: بين هندسة مشروع الحماية الأمريكية ومعاقبة دول الخليج لليمن الموحد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى