كتابات فكرية

في سبيل تقويم مسار الجماعات والأحزاب الدينية

في سبيل تقويم مسار الجماعات والأحزاب الدينية

  • حسن الدولة

الجمعة 16 يناير 2026-

هذا مقال أعاد نشره طاقم الفيسبوك ضمن ما كتبته في مثل هذا اليوم من عام 2019م وقد وجدته يستحق إعادة النشر لأهمية ما تضمنه من محاولة لتقويم الأحزاب والجماعات الدينية – الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي- فمما لا شك فيه أن النقد في ثقافتنا العربية يُعد من المحرّمات، فإذا ما تناول المرء تجربة أي حزب أو جماعة دينية، فإن هذا الحزب أو تلك الجماعة تنعته بأقذع الصفات، وتجرّمه أو تزندقـه أو تتّهمه بالعمالة، وغالبًا ما يوضع اسمه في قوائمها السوداء. في حين أن النقد، في جوهره، لا يُقصد به التشهير أو الإساءة، بل يُعد تقويمًا للتجربة وتوجيهًا لمسارها نحو الوجهة الصحيحة، ووسيلة في غاية الأهمية تعمل على تصحيح المسار وتعديل البرامج السياسية والاجتماعية والثقافية للجماعات والأحزاب الدينية، لتتجه نحو الانشغال بشؤون الدنيا والتسلّح بعلوم العصر ومتطلباته.

كما أن النقد يُعد واجبًا دينيًا وأخلاقيًا، فنجاح التجربة الغربية في الحكم يعود في الأساس إلى إيمانهم بأن النقد هو أفضل وسيلة للتقدّم والنجاح. وقد عبّر عن ذلك منظر الليبرالية المعاصر، الفيلسوف فرانسيس فوكوياما، صاحب نظرية “نهاية التاريخ”، حين قال إن الليبرالية ليست النظام الأمثل، لكنها ستظل الأفضل ما دام هناك من ينتقدها ويعمل على إصلاحها.

ومن هذا المنطلق، يمكن تناول تجربة جماعة الإخوان المسلمين، موضحين ما لها وما عليها، باعتبارها أقدم الحركات الدينية المنظمة في العالم العربي. وللأسف الشديد، فإن هذه الجماعة تعاني في معظم الأقطار العربية واحدة من أكثر الأزمات صعوبة وحدّة منذ نشأتها قبل أكثر من ثمانين عامًا. ولا تعود هذه الأزمة والمعاناة إلى عامل واحد فقط، فهي ليست ناجمة حصريًا عن محاولات القمع والاستئصال التي قامت وتقوم بها الأنظمة تجاههم، ولا عن ما تعرضوا له من شركائهم في ثورات الربيع العربي التي شاركوا فيها وكان لهم فيها دور إيجابي لا يُنكر، بل إن خصومهم حوّلوا ذلك الدور إلى وبال عليهم، حيث تمت تنحيتهم واعتقال قياداتهم وملاحقتهم وحظرهم في مصر واليمن وليبيا وعدد من الدول الخليجية، كما جرى تحجيم نفوذهم في تونس، وتشديد الحصار عليهم في غزة، في حين ظل وجودهم في سورية هامشيًا بفعل صعود التيارات الإسلامية الجهادية المتشددة المنافسة.

وفي هذا السياق، يشير الكاتب المصري سيد ياسين إلى أن المشروع الإسلامي يمر بأزمة حقيقية، والمقصود هنا الحركة الإسلامية التي ظهرت في ربوع الوطن العربي منذ أكثر من ثمانين عامًا، وكان الإخوان المسلمون، بحكم انتشارهم في عدد كبير من الدول العربية، الممثلين الأبرز لها. ويؤكد أن هذه الأزمة لا تتعلق فقط بالسلوك العملي الذي أدى إلى صدامات دامية مع السلطة في بعض البلدان، بل هي في المقام الأول أزمة منطلقات نظرية، تتصل برؤية الحركة للعالم ونظرتها إلى ذاتها وإلى الآخر.

ورغم أن حركة الإخوان المسلمين تمثل امتدادًا لحركة الإصلاح الديني التي دشّنها الشيخ محمد عبده، المصلح الديني الكبير الذي حاول التوفيق بين الإسلام والعلم في كتابه المعروف “الإسلام والعلم”، إلا أن محاولته ووجهت بمقاومة عنيفة من ممثلي الإسلام التقليدي، كما أن غياب مدرسة فكرية تواصل مشروعه الإصلاحي أضعف أثره. بل إن تلميذه رشيد رضا، صاحب مجلة “المنار”، اتجه نحو المحافظة والتقليد، مقدّمًا الرواية على العقل، ومقللًا من شأن العقل الذي زكّاه الشرع. واستمر هذا المنحنى في الهبوط مرورًا بحسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، ثم الهضيبي، وصولًا إلى سيد قطب، وانبثاق التيار الجهادي.

وتكمن إحدى أهم الإشكالات التي واجهت جماعة الإخوان، كتيار سياسي، في أنها لم تميّز نفسها بوضوح عن التيار الجهادي المتطرف والعدمي الذي يعتمد العنف وسيلة لفرض رؤيته على المجتمع، ما يحمّلها مسؤولية مزدوجة: أولًا، باعتبارها جماعة إسلامية معنية بدحض الأطروحات النظرية لهذه الجماعات وكشفها وعزلها اجتماعيًا، وثانيًا، باعتبارها مطالبة بالتمايز عنها أمام البيئات الشعبية، وهو ما لم يحدث، ربما بسبب نوع من “التقية” أو ما أُطلق عليه فقه الضرورة، مستندين إلى روايات وتأويلات لا سند لها، من قبيل القول إن النبي أقرّ حرية الاعتقاد حين كان المسلمون مستضعفين، ثم انقلب على ذلك حين تقووا، وهو ما ألحق ضررًا بالغًا بهم في المشرق والمغرب العربي، باستثناء تجربة حركة النهضة في تونس التي أعلنت صراحة انفصالها عن التنظيم الدولي للإخوان.

وقد زاد من هذه المخاوف أن الإخوان لا يؤمنون بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، وأن بيعتهم للمرشد تتجاوز حدود الوطن، الأمر الذي أثار الريبة في مجتمعاتهم، بما فيها البيئات السنيّة. كما يُعاب على الجماعة أنها لم تُنجب مفكرين كبارًا يطورون رؤاهم تجاه قضايا العصر، فمنذ أكثر من ثمانين عامًا لم تستطع أن تقدم مفكرًا واحدًا ذا قيمة فكرية حقيقية، باستثناء سيد قطب وسيد سابق في الفقه ويوسف القرضاوي، وجميعهم ظلوا ضمن الإطار التقليدي، ولم يبلغ أيٌّ منهم مستوى الوعي السياسي والفكري الذي وصل إليه راشد الغنوشي، زعيم حزب النهضة التونسي.

ولذلك لم نجد لدى الإخوان تصورًا واضحًا لنظام الحكم، ولم تكن مشاركتهم في الانتخابات سوى وسيلة للوصول إلى السلطة، بما أثار المخاوف من الانقلاب على الديمقراطية لاحقًا. كما أن الحركة لم تصدر أبحاثًا أو مؤلفات تعرض فيها أفكارها الأساسية من منظور ثقافة العصر ومتطلباته، الأمر الذي جعل فكر سيد قطب، المتأثر بأبي الأعلى المودودي، المرجع الأساسي ليس فقط للإخوان المسلمين، بل حتى لبعض المرجعيات الثورية الشيعية، كما أشار إلى ذلك السيد علي خامنئي الذي ترجم كتاب “معالم في الطريق” إلى الفارسية، معتبرًا أن ما ورد فيه لا يتعارض مع أفكار الثورة الإيرانية.

وعلى الرغم من ذلك، يبقى من المبكر الجزم بمآلات التحولات الجارية، فالثورات التي كسرت الانسداد في التاريخ السياسي العربي ما زالت تتفاعل سلبًا وإيجابًا، وهو ما تؤكده التجربة التونسية التي قدّمت نموذجًا لحزب إسلامي يؤمن بالتعددية والديمقراطية والحريات. ومع سياسات حركة النهضة، بات من الممكن الحديث عن نموذج إسلامي مختلف، لا يقتصر على التجربتين التركية أو الماليزية أو الإندونيسية.

وفي المقابل، بدت المفارقة واضحة حين اعتبر بعض المنضوين في جماعات الإخوان نجاح حزب العدالة والتنمية في تركيا في الانتخابات البلدية الأخيرة بمثابة تعويض لهم عن انحسار نفوذهم في بلدانهم، رغم التشكيك المستمر في انتماء هذا الحزب إلى التيار الإسلامي التقليدي، بسبب تبنيه فهمًا مغايرًا للإسلام والسلطة. وقد عبّر إخوان مصر عن استيائهم من تصريحات أردوغان في القاهرة عام 2011 حول المصالحة بين الإسلام والعلمانية، ورفضوا نصائحه المتعلقة بالاهتمام بقضايا الاقتصاد والخدمات وشؤون الناس اليومية.

ويبدو أن الإخوان لم يستوعبوا بعد أن تركيا دولة علمانية وستظل كذلك، وأن حزب العدالة والتنمية نفسه حريص على حماية علمانية الدولة. ومن هنا، يصبح لزامًا على الإخوان، وعلى سائر الأحزاب الدينية، مراجعة مواقفهم من العلمانية، والتوجه نحو تبني الدولة المدنية التي تضمن تداول السلطة بين الأحزاب وفق برامجها لا وفق انتماءاتها المذهبية. فالدين لا يجوز أن يُساء إليه باستخدامه وسيلة للوصول إلى الحكم، بل يجب أن يحكم ضمائر من يترشحون للحكم، في حين تخضع السياسة لضوابط علمية ودستورية وقانونية يتم الاتفاق عليها بين الحاكم والمحكوم، مثل مبدأ تداول السلطة والفصل بين السلطات.

وباختصار شديد، لا مناص أمام الجماعات الدينية والأحزاب ذات التوجه الديني من السعي الجاد إلى فصل الجانب الدعوي عن الجانب السياسي، أو ما يمكن تسميته بعلمنة العمل الحزبي، والتعايش السلمي مع جميع المكونات السياسية في المجتمعات العربية والإسلامية، أسوة بتجربة حزب العدالة والتنمية التركي. كما لا بد لها من إنتاج مرجعيات فكرية قادرة على التعاطي مع الواقع ومتغيرات العصر، وإدانة الجماعات التكفيرية المتشددة التي تشوه صورة الإسلام وتسيء إليه، إذا أرادت تجنب الإخفاقات المتتالية، وتقديم نموذج إسلامي معاصر يساهم في بناء الدولة وتقدم المجتمع.

اقرأ أيضا: الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي (ملاحظات عامة)٢-٣

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى