علي سالم البيض… سيرة وطن لا تُختصر

علي سالم البيض… سيرة وطن لا تُختصر
بقلم/ حسن حمود الدولة
الاحد 18 يناير 2026-
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
ليس سهلاً أن يُكتب رثاء لقامة وطنية بحجم علي سالم البيض، فالرجل لم يكن حدثاً عابراً في تاريخ اليمن، بل كان زمناً سياسياً مكثفاً، وتجربة وطنية مركبة، ورمزاً من رموز مرحلة كبرى ما زالت آثارها حاضرة في الوجدان والأسئلة.
برحيل الأستاذ المناضل علي سالم البيض، نائب رئيس مجلس الرئاسة، والأمين العام الأسبق للحزب الاشتراكي اليمني، يفقد اليمن واحداً من أبرز رجاله الذين صدقوا ما عاهدوا الله والوطن عليه. فقد غيّبه الموت عن عمر ناهز السادسة والثمانين عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض، لكنه لم يغيّبه عن ذاكرة وطن صنع بعض أكثر لحظاته مصيرية.
كان علي سالم البيض واحداً من أولئك الرجال الذين تشكّل وعيهم في معمعان النضال ضد الاستعمار البريطاني، فحمل همّ التحرر مبكراً، وأسهم في صياغة المشروع الوطني الجنوبي، ثم شارك – بشجاعة سياسية نادرة – في صناعة منجز الوحدة اليمنية السلمية في الثاني والعشرين من مايو 1990م، بوصفها خياراً تاريخياً لا تكتيكاً مرحلياً، وإيماناً عميقاً بأن اليمن لا ينهض إلا موحداً، عادلاً، وشريكاً أبناؤه في السلطة والثروة والقرار.
لقد مثّل البيض، في تلك اللحظة المفصلية، نموذج القائد الذي قدّم التنازل من أجل الوطن، لا من أجل السلطة، حتى قيل عنه – بحق – إنه جسّد المعنى الحقيقي للوحدة القائمة على الشراكة لا الغلبة، وعلى التوافق لا الإقصاء. ولعل ما نُقل عن الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، حين قال إن علي سالم البيض أثبت أن أزمة الوحدة العربية تكمن فيمن يتنازل لمن، يلخّص كثيراً من جوهر تلك التجربة.
وإن الحديث عن علي سالم البيض لا يقتصر على موقعه السياسي، بل يمتد إلى رؤيته الفكرية، وانحيازه الواضح لقيم العدالة الاجتماعية، واحترام الإنسان، وسيادة القانون. وهي القيم التي وجدتها – كناشط سياسي مستقل – جديرة بالدفاع عنها عقب تحقيق الوحدة، حين كتبت مقالين في صحيفة المسار عام 1990م:
الأول بعنوان “الاشتراكية والحرية بضاعتنا رُدّت إلينا”،
والثاني بعنوان “العدالة الاجتماعية… ولكن”.
وقد كان لتلك المقالات صدى لافت، حتى إن الراحل علي سالم البيض اطّلع عليها، وأشاد بمضمونها، لما حملته من تأصيل فكري يربط بين العدالة الاجتماعية وروح الإسلام، بعيداً عن التشويه الأيديولوجي أو الخصومة المجانية. فقد أكدتُ آنذاك وما زلت أن الإسلام لم يُكرّم إنساناً لذاته، ولم يُهن آخر لفقره، وإنما جعل معيار التفاضل العدل والعمل، وحمّل المجتمع مسؤولية صون كرامة أضعف أفراده.
استشهدتُ بقول الله تعالى:
﴿كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾،
وبسيرة النبي عليه الصلاة والسلام حين جعل الناس شركاء في أساسيات العيش، وبحكمة الإمام علي كرم الله وجهه:
“ما رأيت نعمة موفورة إلا وبجانبها حق مضيّع”،
وقوله الخالد:
“ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني”،
وقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
“لو استدبرت من أمري ما استقدمت لأخذت من قويهم لضعيفهم”.
وكان ذلك دفاعاً عن مضمون المادة الثالثة من دستور دولة الوحدة، التي تعرّضت لهجوم قاسٍ من قوى رأت في العدالة الاجتماعية خطراً، بينما رآها أمثال علي سالم البيض جوهر الدولة الحديثة، وامتداداً طبيعياً لقيم الإسلام والإنسان.
إن رحيل علي سالم البيض لا يفتح باب الحزن فقط، بل يفتح باب الأسئلة الكبرى: عن معنى الشراكة الوطنية، وعن مصير المشاريع الكبرى حين تُدار بعقلية الغلبة، وعن الثمن الذي يدفعه الوطن حين يُهدر التوافق ويُستبدل بالإقصاء.
نعزّي أنفسنا، ونعزّي الشعب اليمني، والأمة العربية والإسلامية، برحيل هذه القامة الوطنية الكبيرة، سائلين الله العلي القدير أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يلهم أهله ورفاقه ومحبيه الصبر والسلوان.
ويبقى علي سالم البيض – مهما اختلفت التقييمات – واحداً من أولئك الرجال الذين لا يمكن تجاوزهم في كتابة تاريخ اليمن الحديث، لأنه كان جزءاً من سؤال الوطن، لا هامشاً في إجابته.. ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾
اقرأ أيضا: ناصر الحرورة.. وداعًا ليس للأبد: إصدار جديد لاتحاد القوى الشعبية


