رحلة العمر بين الأيديولوجيا والإيمان

رحلة العمر بين الأيديولوجيا والإيمان
- امين الجبر
الخميس 29 يناير 2026-
أفنيت ربع عمري الأول في التوعية العامة، من منطلق أيديولوجي يميل إلى اليسار نوع ما إن جاز القول، مدفوعا بحماسة الشباب وعنفوانه، وبإيمان عميق بالعدالة الاجتماعية، وسعيا حثيثا نحو ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية. غير أن الزمن، وما بذلته فيه من جهد، فاجأني على حين غرة بحصيلة صادمة؛ إذ اكتشفت أن ذلك الحماس، وتلك الطاقة المستهلكة، قد تلاشت في فراغ واسع، دون جدوى ملموسة أو أثر يعتد به، سوى حيرة ثقيلة، وربما شيء من الندم على ما مضى.
لم يكن الإحباط ناجما عن الفشل أو ضياع الوقت فحسب، بل لأنني، في نهاية المطاف، وجدت أن من توجهت إليهم بخطابي التوعوي، وسعيت إلى رفع منسوب وعيهم الاجتماعي بقيم العدالة والمساواة، هم أنفسهم من خذلني وخيب أملي. كيف لا، وقد تبين لي أن غالبهم قد استمرأ الظلم، وتقبل الفوارق الطبقية بوصفها قدرا طبيعيا متعايشا معه، بل إن المفارقة المؤلمة تمثلت في أن من تفاعل مع طروحاتي وتحمس لها، كانوا من أولئك الذين يفترض أنهم في الضدية، لا أولئك الذين ظننتهم مطحونين ومعذبين. كانت صدمة جعلتني أعيد النظر في كثير مما اندفعت إليه بحماسة غير محسوبة.
وفي ربع عمري الثاني، وجدتني – وبالوتيرة ذاتها – أستنزف جل طاقتي في الدعوة الإيمانية/القيمية، أملا في الإسهام ببناء مجتمع الرحمة والتكافل، مجتمع العدالة الإيمانية، الخالي من الجور والطغيان، مجتمع قوامه الصلاح، وميزانه التقوى وحدها، بعيدا عن التأويلات البشرية الشاطحة، والاعتسافات الأيديولوجية التي تناور بالنص الديني المقدس.
لكن النتيجة، ويا للأسف، لم تكن أقل إيلاما. فبعد محاولات حثيثة، تبين لي أنني كنت كمن ينفخ في قربة مثقوبة، أو يناجي فراغا لا صدى له. إذ اكتشفت أن جمهور الدعوة، ومن وجه إليهم الخطاب بقصد الترشيد والتنوير، كانوا هم أنفسهم بؤرة الخذلان ومكمن الخلل؛ لا لأنهم ضحايا وهم تاريخي متراكم فحسب، بل لاعتقادهم الجازم بأن ما يعيشونه من ظلم وجور وتمييز إنما هو قضاء وقدر واجب التسليم به، وفق فهم جامد للنص الديني، يفرغ الإيمان من بعده التحرري والأخلاقي.
عندها فقط، أدركت المعنى العميق لطول المدة التي قضاها سيدنا نوح عليه السلام في دعوته لقومه، واستوعبت خطورة الرسالات الإلهية، وما يلاقيه الأنبياء والرسل من عنت وجحود من عامة الناس الذين جاءت الرسالات أصلا لخلاصهم، وما يتطلبه ذلك من صبر وحكمة وجلد.
واليوم، وأنا على ما تبقى من العمر، يتبدى السؤال وجوديا ملحا: كيف سأقضي ما تبقى؟ ومع من؟ وإلى أي اتجاه سأبحر، إن كان في الروح بقية مجاديف، وفي الفكر طاقة شحن تعين على المضي فيما آمنت به يوما؟
أم أن الأوان قد آن للعودة إلى الذات، ومراجعة المسار، واستثمار ما تبقى من العمر في الاستعداد ليوم الرحيل، وفق مقتضيات الإيمان الخالص، والعبادة الصادقة، بعيدا عن ضجيج الدعوات وخيبات الجماعة؟
اللهم دلني… فأنت أرحم الراحمين.
اقرأ أيضا: عبدالرقيب عبدالوهاب: بطل السبعين… وأول رئيس أركان تنتخبه وحدات الجيش





