حدود العقل!

حدود العقل!
- أمين الجبر
الاثنين 26 يناير 2026-
مهما اجتهد المنظّرون في توصيف المثل والقيم، وتعمّق الفلاسفة في استكناه مضامينها، وشرح ماهياتها، والتأمل في مدلولاتها وغاياتها، سعيًا إلى نمذجتها واقعًا، وادّعاء تمثلها سلوكًا بوصفه واجبًا رساليًا بلاغيًا، ووظيفة أخلاقية قيمية، بل ومبدأً تنويريًا إرشاديًا يُناط بهم حصرًا؛ فإنهم، بحكم طبيعة الإدراك العقلي ونسبية الوعي البشري، لن يبلغوا ذروة الكمال المثالي، ولن يحيطوا بمنتهى المآل القيمي علمًا.
ذلك أن مطلق الحقيقة شأنٌ إلهيٌّ خالص، وكمال الرشد عناية ربانية محضة. فالإنسان، بطبيعته الفكرية، يظل قاصرًا مهما أوتي من علم، وبجبلّته الغريزية يبقى مائلًا مهما تهذّب وتخلّق. إنه، في المحصلة، رهين رغائبه، وأسير أوهامه، ما لم يسنده إسنادٌ غيبيٌّ إلهي، كما في حال الأنبياء والرسل، أو تؤازره عناية ميتافيزيقية خارقة، كالمعجزة والكرامة التي اختصّ الله بها بعض أوليائه والصالحين.
ومن هنا، تبقى الحقيقة المطلقة، والرحمة الواسعة، والحكمة البالغة، شأنًا إلهيًا صرفًا لا تشاركية فيه، وصفة ربانية لا تماثلها صفة بشرية، إلا بقدر ما يفيض الله بها من عطاياه على من يشاء من عباده الصالحين، ويخصّ بها من اصطفى من أنبيائه ورسله.
وتشكّل هذه الفيوضات الإلهامية، والتجليات الإشراقية، التي اختصّ الله بها من شاء، معالمَ نهجٍ خالد، ومشاهدَ هدايةٍ راشدة، لكل ذي لبّ من الفلاسفة والمصلحين والمؤمنين على حدّ سواء؛ نهجٌ قد يقارب الخير العام لمن التزمه، ويلازم القيم الحميدة من اتبعه، ويحفظ فضائل الأخلاق لمن تمثّله، وإن ظلّ ذلك في كثير من الأحيان أقرب إلى يوتوبيا متخيّلة، أو طوباوية مرجُوّة.
إن هذه النسبية في الإدراك، وتلك المحدودية في الوعي، تجعل المؤمن يعيش حياته مطمئنّ الضمير، ساكن النفس، لا يعتريه همٌّ ولا يشوبه غمّ، لإيمانه بقضاء الله وقدره، وإيقانه بأن كل شيء جارٍ بمقدار، وواقع وفق مشيئته.
غير أن العقل الإسلامي لم يتعامل مع هذه الاعتقادية الغيبية على نسق واحد، بل تباينت مواقفه وتضادّت مقارباته. فالعقل المعتزلي، على سبيل المثال لا الحصر، وقد خاض غمار الجدل الكلامي، وأطلق العنان للتأمل العقلي والتأويل النصي، رأى في العقل وحده مناط الرشاد وهادي الحقيقة، حتى في غياب الأنبياء والرسل. إلا أن هذا المسلك، على ما اتسم به من حدس عقلي ومنطق استقرائي، لم يَخلُ من قصور في استنتاجاته، ولا من جدالات لاهوتية سفسطائية افتقرت في كثير من الأحيان إلى الأثر والجدوى.
وفي المقابل، قدّم التيار الأشعري النصّ على العقل، لا لمجرد كونه سابقًا عليه، بل لكونه إلهي المصدر، ديني المرجعية، متجاوزًا بآفاقه وحدود دلالاته العقل البشري المحدود، الأمر الذي أوجب ـ في نظرهم ـ اتباعه نصًا وروحًا، دون الارتهان المطلق لمحكّات العقل القاصر. وعلى أيّة حال، ومهما بلغ العقل والمنطق من رقيّ في مقاربة المثل والقيم السامية، يظلّ ثمة فراغ روحي، وفقر قيمي، يلازمان الإنسان في مختلف أطوار حياته، ولا يكتمل سدّهما إلا بإيمان عميق، ويقين راسخ، ورضىً لا يتطرّق إليه شكّ في قدرة الله سبحانه وتعالى ومشيئته.
اقرأ أيضا: هل هو قدرنا أم لعنة الجغرافيا؟


