المنجم الذكي

المنجم الذكي
- أمين الجبر
الثلاثاء 24 فبراير 2026-
يبدو أن السوشل ميديا لم تعد مجرد منصات تواصل، بل تحولت إلى ما يشبه سوقا كبرى للتنجيم الرقمي. اختبارات عابرة تعدك بكشف عمرك بعد سنوات، وتحدد لك توأم روحك، وتختار لك المهنة التي تناسبك، بل وترسم لك وجهتك القادمة في الحياة. مشهد يذكر بذلك المنجم القديم الذي كان يجوب القرى، فتتزاحم حوله النساء والعوام طلبا لكلمة عن الغيب، أو إشارة إلى مستقبل غامض.
الفارق الوحيد أن المنجم اليوم لا يحمل عصا ولا يلبس عباءة، بل يتخفى خلف شاشة، وتعمل باسمه خوارزميات دقيقة تعرف عنك ما لم تكن تعرفه عن نفسك. لم تعد الشعوذة خطابا هامشيا، بل صارت محتوى رائجا، يستهلكه الملايين بوعي أو بدونه، ويمنحهم لحظات من الطمأنينة الزائفة في عالم مضطرب.
المشكلة ليست في لعبة عابرة أو اختبار مسلي، بل في الذهنية التي تستسلم للنتائج الجاهزة، وتستبدل التفكير بالتلقي، والتخطيط بالتنبؤ، والمسؤولية بالقدر المصطنع. حين يصبح المستقبل مادة ترفيه، وتتحول الهوية إلى نتيجة اختبار، نكون أمام ارتداد ثقافي مقلق، مهما تجمل بلباس التقنية.
الميثولوجيا لم تختف من حياتنا، بل غيرت جلدها فقط. خرجت من الكتب الصفراء والأساطير الشعبية، واستقرت في التطبيقات والمنصات. التقنية لم تخلق الخرافة، لكنها منحتها سرعة انتشار لم تحلم بها من قبل. وهكذا يعود الإنسان، في ذروة العصر الرقمي، إلى السؤال البدائي ذاته: ماذا يخبئ لي الغد؟ لكن بدلا من أن يبحث أو يعمل أو يخطط، يضغط زرا ينتظر منه الإجابة.
يا إلهي، هل صارت الحياة كلها تنجيما وشعوذة؟ ربما لا. لكننا حين نتخلى عن العقل النقدي، ونستعذب الوهم لأنه أسهل من الحقيقة، فإننا نمهّد الطريق لأن تتحول الخرافة إلى وعي جمعي، وأن يصبح الغيب الافتراضي بديلا عن الفعل الواقعي.
بين المنجم القديم وخوارزمية اليوم خيط رفيع اسمه قابلية التصديق. وما لم نستعد صرامة السؤال، سيظل هذا الخيط يشدنا إلى الوراء، مهما توهمنا أننا نعيش في عصر النور.
اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. مجلس الحرب العالمي وواقعية الخنوع!




