كتابات فكرية

الفرز العرقي والتنابذ بالألقاب: مخالفة صريحة للدين والدستور ومنطق الدولة

الفرز العرقي والتنابذ بالألقاب: مخالفة صريحة للدين والدستور ومنطق الدولة

  • حسن الدولة

الجمعة 2 يناير 2026-

ليس الفرز العرقي ولا التنابذ بالألقاب مجرد ظواهر اجتماعية هامشية، بل هما انتهاك صريح لمنظومة القيم الدينية، وتقويض مباشر لأسس الدولة الدستورية، وتهديد فعلي للسلم المجتمعي. فحين يمنَح الإنسان قيمة سياسية أو اجتماعية استنادا إلى نسبه لا إلى مواطنته، وحين تتحول الألقاب العرقية إلى أدوات إقصاء وشرعنة للهيمنة، نكون أمام نكوص كامل عن منطق الدين، وانقلاب على فكرة الدولة، وتأسيس غير معلن لنظام طبقي مقنّع.

من الناحية الدينية، جاء النص القرآني قاطعا في إبطال أي تفاضل يقوم على العرق أو النسب أو اللون، إذ قرر مبدأ الأصل الإنساني الواحد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾، ثم حدد الغاية من التعدد الاجتماعي لا باعتباره مدخلا للتمييز، بل إطارا للتعارف: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، وأغلق باب التأويل نهائيًا بتحديد معيار التفاضل الوحيد: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. وهذه الآية ليست وعظا أخلاقيا عاما، بل قاعدة معيارية ملزمة تسقط كل امتياز وراثي، وتربط القيمة الإنسانية بالسلوك والعمل، قال عز من قائل: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه}.

وتعزز السنة النبوية هذا الأصل تعزيزًا تشريعيًا واضحًا، حين أعلن النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الوداع – وهي نص تأسيسي في بناء الجماعة – إلغاء كل أشكال التفاضل العرقي بقوله: “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى”، ثم وصف العصبية – بكل أشكالها – بأنها خروج عن الجماعة بقوله: “ليس منا من دعا إلى عصبية”. فالعصبية، في المفهوم النبوي، ليست رأيا اجتماعيا، بل سلوكا يهدد وحدة الأمة ويقوّض عدالة الانتماء.

ويبلغ هذا المبدأ ذروته في النص القرآني الذي أسقط النسب من ميزان الانتماء الديني حين قال تعالى عن ابن نوح: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾. فالانتماء في ميزان الشريعة انتماء منهج وقيم، لا انتماء لحمة – دم وقرابة -.

ولذلك قرر النبي عليه الصلاة والسلام قاعدة جامعة: “من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه”، وهي قاعدة تهدم من الأساس أي تصور ديني للحق السلالي أو الامتياز الوراثي.

أما من الزاوية الدستورية، فإن الجمهورية اليمنية – بوصفها دولة حديثة – تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية، حيث تُقر القواعد الدستورية والقانونية أن المواطنين جميعا متساوون في الحقوق والواجبات العامة، ولا يجوز التمييز بينهم لأي سبب غير مشروع، بما في ذلك الأصل أو النسب أو الانتماء الاجتماعي. وهذا المبدأ ليس خيارا أخلاقيا، بل شرط وجود الدولة نفسها؛ إذ لا دولة مع وجود طبقات سياسية موروثة، ولا سيادة للقانون إذا كانت الحقوق تُمنح بالدم لا بالقانون.

إن أي خطاب يروّج للفرز العرقي أو يضفي شرعية سياسية على أساس السلالة، هو خطاب مخالف للدستور من حيث الجوهر، لأنه يعطل مبدأ تكافؤ الفرص، ويصادر حق المواطنين في المشاركة السياسية، ويحوّل السلطة من وظيفة عامة إلى امتياز خاص. وهو كذلك خطاب يُنتج واقعا قانونيا مختلًا، إذ يستبدل مبدأ “سيادة القانون” بمبدأ “سيادة النسب”، ويقوّض فكرة المساءلة، لأن من يعتقد أنه مصطفى بنسبه لا يرى نفسه خاضعًا للمحاسبة.

والأخطر من ذلك أن النزعة السلالية غالبا ما تُغلَّف بغلاف ديني أو مذهبي، فتتحول من مجرد تمييز اجتماعي إلى أداة لإدامة الصراع السياسي، حيث يُقدَّم الخلاف على السلطة بوصفه خلافا عقديا أو عرقيا، بينما هو في حقيقته صراع على الحكم والنفوذ. وهنا تُستباح الدماء، وتُجمَّد السياسة، وتُعطَّل الدولة، باسم شعارات لا علاقة لها بروح الدين ولا بمقاصده.

لقد واجه الأنبياء أنفسهم هذا المنطق الإقصائي، فقال أقوامهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾، فربطوا الحق بالمكانة الاجتماعية لا بالقيمة الأخلاقية. وهو ذات المنطق الذي يعيد إنتاج نفسه اليوم بأشكال مختلفة، كلما عجزت المجتمعات عن بناء معيار حديث للشرعية.

إن الإنسان لا يختار نسبه، ولا يُسأل عنه، لكنه يُحاسب على فعله وموقفه. وبناء الدولة لا يكون بإحياء الأنساب، بل بإحياء الدستور، ولا يكون بتقديس السلالات، بل بترسيخ المواطنة. فالدين الصحيح، والدستور السليم، والعقل السياسي الرشيد، كلها تتفق على قاعدة واحدة لا تقبل الجدل:

لا شرعية لامتياز خارج القانون، ولا كرامة تُورَّث، ولا سلطة بلا مساءلة.

وعليه، فإن مقاومة الفرز العرقي والتنابذ بالألقاب ليست ترفا فكريًا، بل واجب ديني، والتزام دستوري، وضرورة وطنية.

فإما دولة مواطنين متساوين، أو لا دولة على الاطلاق.

اقرأ أيضا: إذا تضاربت القرود… فانتبهوا لجربتكم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى