الذكرى الـ58 لعيد الجلاء… وطنٌ يتذكّر لحظة التحرير ويواجه أخطر لحظات التمزيق

الذكرى الـ58 لعيد الجلاء… وطنٌ يتذكّر لحظة التحرير ويواجه أخطر لحظات التمزيق
- بقلم: حسن الدولة
السبت 29 نوفمبر 2025-
اليوم ليلة الثلاثون من نوفمبر تحل الذكرى الثامنة والخمسون لرحيل آخر جندي بريطاني من أرض الجنوب في الثلاثين من نوفمبر 1967م؛ اليوم الذي سطّر فيه اليمنيون واحدة من أنصع صفحات النضال العربي الحديث. ففي ذلك الفجر الاستثنائي، انكسرت الإمبراطورية التي “لا تغيب عنها الشمس” أمام إرادة شعبٍ لم يكن يملك سوى إيمانه العميق بأن الحرية حقّ فطري لا يُصادر، مهما طال ليل الاحتلال وقست ظروفه. كان 30 نوفمبر تتويجًا لمسار طويل من التضحيات، قدّم فيه اليمنيون أرواحًا ودموعًا وأحلامًا، حتى بزغ فجر الاستقلال يحمل معه وعدًا بميلاد وطنٍ جديد.
ورغم أن ملامح التشطير السياسي ظهرت سريعًا بعد الاستقلال، فانقسم الوطن إلى شطرين شمالي وجنوبي، إلا أن هذا التشطير لم يسكن وجدان اليمنيين قط. فقد ظل الشعب ـ شماله وجنوبه ـ كتلة واحدة في الروح والهوية، يتنقّل بين الشطرين كما ينتقل المرء بين غرف منزله. بل إن المشهد السياسي نفسه شهد مسؤولين من الشمال في الجنوب، وآخرين من الجنوب في الشمال، دون شعور بالغربة أو الانفصال. وكثيرًا ما كان اليمني يجد في الشطر الآخر ملاذًا إن ضاقت به قسوة الحكم في شطره، فينتقل إليه آمنًا مطمئنًا، وكأنهما جناحان لطائر واحد.
وحين بزغ فجر الثاني والعشرين من مايو 1990م، تحقّق حلم الوحدة السلمية التي طالما نضجت في ضمير اليمنيين. توحّدت الجغرافيا التي لم تنفصل يومًا في الوجدان، غير أن هذا الإنجاز الكبير أثار مخاوف خصوم الوحدة في الإقليم، فعملوا على بثّ الشقاق بين شركائها. وكانت حرب صيف 1994م الشرارة التي غيّرت وجه اليمن السياسي، وحوّلته ـ كما وصف شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني ـ من “دولة واحدة بشعب واحد إلى دولة واحدة بشعبين”. ومنذ ذلك المنعطف الخطير بدأت الشروخ تتعمّق، وبدأت المشاريع الصغيرة تتقدّم على حساب المشروع الوطني الجامع، فيما وجدت القوى الإقليمية في اليمن مساحة للنفوذ والتدخل.
واليوم، ونحن نحيي الذكرى الـ58 لجلاء آخر جندي بريطاني، نجد اليمن يعيش واحدة من أكثر لحظاته التاريخية خطورة وتعقيدًا. فالوطن الذي تحرّر بالأمس من الاستعمار التقليدي، يواجه اليوم محاولات تمزيق جديدة تأخذ أشكالاً متعدّدة: سلطات متنازعة، ومشاريع متعارضة، وتدخّلات إقليمية تسعى لإعادة إنتاج وصاية لا تقلّ خطورة عن الماضي. وبينما تتشابك خيوط الصراع، يزداد الألم في حياة المواطن اليمني في الشمال والجنوب والشرق والغرب، تحت ثقل حربٍ تطول، وأحلامٍ تتراجع، وواقعٍ سياسي يتشظى يومًا بعد آخر.
لكن ذكرى 30 نوفمبر ليست مجرد استحضار لمشهد تاريخي، بل استدعاء لروح مقاومةٍ لا تموت. ففي زمن الاحتلال البريطاني، لم تكن إمكانيات الثوار كبيرة، ولا سلاحهم متطورًا، لكن إرادتهم كانت أكبر من كل ما واجهوه. واليوم، ومع كل ما يحيط بالوطن من عواصف، يبقى اليمن قادرًا على النهوض من جديد إذا ما التفت أبناؤه حول مشروع وطني جامع، يتجاوز الطائفية والمناطقية والولاءات الضيقة، ويرفض التبعية لأي نفوذ خارجي يختزل اليمن في جغرافيا صراع.
وفي هذه الذكرى العظيمة، نُجدّد اليقين بأن اليمن، الذي هزم الإمبراطورية الكبرى قبل 58 عامًا، قادر على هزيمة كل أشكال التمزّق والوصاية، مهما اشتدّت العواصف. فالوطن الذي تحرّر بالأمس، يستطيع أن يكتب غدًا فصلًا جديدًا من الحرية والاستقلال، متى ما استعاد أبناؤه ثقتهم بأنفسهم، وتمسّكوا بما يجمعهم، ورفضوا ما يفرّقهم.
المجد لثلاثين نوفمبر… والخلود لشهداء التحرّر… والنصر لليمن، كل اليمن.

