إلى والدي.. تراتيل حب وحنين وعرفان

إلى والدي.. تراتيل حب وحنين وعرفان
قادري أحمد حيدر
الأربعاء 21 يناير 2026-
إلى ذكرى والدي، ذلك الصوفي الجليل والنقي.. الإنسان الذي غرس في وجداني قدسية الحرف وقيمة الكلمة، وعلمني جوهر الصلاة عبر تفاصيل سلوكه اليومي ونهجه التربوي.
معه، ومن خلال تفاصيل حياته وقيمه الأخلاقية، أدركت المعنى الحقيقي لروح الدين الإسلامي القائم على الحق. لقد كان رجل دينٍ بصدقٍ لا بزيف، مجسداً نموذج المسلم المستنير بروح صوفية شفافة.
وفي بواكير شبابه، كان يُدعى لإقامة الموالد الدينية في مغتربه وفي “عدن”، مستنداً إلى خلفيته الدينية العميقة وثقافته الصوفية الواسعة.
لا تزال ذاكرة الطفولة تحفظ مشهداً من مطلع الستينيات، حين حضرته وهو يحيي مولدين دينيين في “مسجد الفقيه أحمد” بحي القاهرة في الشيخ عثمان؛ كانت تلك دهشتي الأولى باكتشاف هذا الجانب منه، وحين نقلتُ ما رأيتُ لوالدتي، أجابتني بوقار: “هو يفعل ذلك حين يُطلب منه”. كان يملك صوتاً عذباً، يمتزج فيه شجن العاشق الصوفي بعمق الابتهال والتعلق بالذات الإلهية؛ صوتٌ يبث في سامعيه فيضاً من المحبة والسلام الداخلي.
كان والدي رجل دين بسيطاً، مقبلاً على الحياة، محباً للناس، ولم يعهد قلبه التشدد يوماً، لا فكراً ولا سلوكاً. كان عف اللسان، لا يغتاب أحداً، يكره النميمة، ويؤثر الصمت إذا ما دار لغطٌ في مجلسه.
منذ تفتحت عيناي على الدنيا، وجدته عاكفاً على ترتيل القرآن؛ يملأ نهاره بالذكر، ويحيي ما قبل الفجر وما بعده بالتلاوة. كان يختم المصحف ثلاث مرات كل شهر، رغم أنه كان يحفظ آياته غيباً، جزءاً فجزءاً.
كان مهيباً، طويل القامة، قوي البنية، وسيم الملامح. يرتدي السروال والبدلة، وتتوج رأسه “الكوفية” و”المشدة الزنجبارية” بربطتها الشهيرة. اجتمعت فيه الشجاعة والكرم والتسامح؛ ولي معه ذكريات ومواقف تشهد على كونه أباً حازماً في غير غلظة، وليناً في غير ضعف. من خلاله وحده، عرفت الإسلام السمح، لا من بطون الكتب ولا من وراء جدران المساجد.
كان جامعاً للمذاهب بقلبه؛ سنيّاً شافعياً، وزيدياً على نهج الإمام زيد، وإسماعيلياً بروح التسامح الصليحي. تجلى هذا التسامح حين زوج ابنته الكبرى “أمون” في مطلع الستينيات لرجل إسماعيلي من “آل المزنعي” بحراز، متجاوزاً معارضة الأهل الشديدة آنذاك. وحين سألته عن ذلك لاحقاً (عام 1969 أو 1970)، أجابني بحكمة:
“الإسماعيلية مذهب إسلامي، وهم أناس طيبون، أنقياء، يحترمون المرأة، ويتقون الله في معاملاتهم”.
إن هذا الموقف الشجاع يعكس مدى أفقه الإنساني وتسامحه الوطني والاجتماعي. كما كانت محبته للزعيم جمال عبد الناصر بلا ضفاف، وكان يفخر دائماً بتقارب عمريهما قائلاً: “أنا من مواليد عام 1918، نفس سنة ميلاده”.
ما أجملك يا أبي! رحلتَ جسداً واستوطنتَ شغاف القلب.. لم تغب عني يوماً أنت ووالدتي العظيمة. لروحيكما الطاهرتين فيض من المحبة والسلام، والرحمة والخلود في رحاب الصالحين.
اقرأ أيضا للكاتب: الكتلة التاريخية في جدل الوطني والقومي والأممي (ملاحظات عامة) 3-3




