إذا تضاربت القرود… فانتبهوا لجربتكم

إذا تضاربت القرود… فانتبهوا لجربتكم
- حسن الدولة
الخميس 1 يناير 2026-
مع بداية أول أيام العام الجديد، وفي لحظة يُفترض أن تكون مناسبة للتأمل والمراجعة، تبرز الحاجة الملحّة إلى دعوة أطراف الصراع اليمني للعودة إلى طاولة المفاوضات دون شروط مسبقة، والتعامل مع المصالحة بوصفها ضرورة وطنية لا مناورة سياسية. فالتجارب المقارنة تؤكد أن الحروب الأهلية لا تنتهي بانتصار طرف، بل بإرهاق الجميع، وأن الطريق الأقصر إلى استعادة الدولة يمر عبر التفاهم لا الإقصاء.
في هذا السياق، يبدو من الضروري التحذير من الانخداع بما يسوق عن خلاف سعودي–إماراتي حول اليمن. فالمثل اليمني القائل “إذا تضاربت الرباح، فانتبه لجربتك” يلخّص طبيعة المشهد بدقة؛ إذ غالبًا ما تكون الصراعات المعلنة بين القوى الإقليمية إعادة توزيع للأدوار، بينما تتحول أرض الدول الضعيفة إلى ساحة تصفية حسابات. واليمن، للأسف، ظل في قلب هذه المعادلة.
تعاملت السعودية مع الملف اليمني من منظور اختزالي، اختزل اليمن في كونه ساحة نفوذ لا دولة ذات بنية اجتماعية وسياسية معقدة. وبدل أن تُدار الحرب باعتبارها أداة ضغط تقود إلى السلام، أو مقدمة إلزامية للجلوس على طاولة الحوار، طال أمدها، وتوسعت كلفتها، وتعقّدت نتائجها، بما أضعف فرص الوصول إلى تسوية شاملة ومستقرة.
في المقابل، جرى التعاطي مع الإمارات بوصفها شريكا استراتيجيا متطابق المصالح، بينما كانت الوقائع تشير إلى بناء مشروع نفوذ موازٍ عبر تشكيلات محلية تدين لها بالولاء. هذه التشكيلات، التي بدأت كأدوات تأثير خارجي، جرى لاحقا إدماجها سياسيًا ومنحها غطاءً من الشرعية، فتحولت إلى فاعلين داخليين مؤثرين، ما أضاف طبقات جديدة من التعقيد إلى المشهد اليمني، وألقى بظلاله على وحدة الدولة ومستقبلها.
أما الجنوب، فيعيش حالة استنزاف واضحة بين مشاريع تبدو متعارضة في الخطاب، لكنها متقاربة في النتائج. فمحاولات توحيد المحافظات الجنوبية تمثل، من حيث المبدأ، حاجة سياسية وإدارية ملحّة، غير أن نجاحها الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار الدولة والشرعية، لا عبر مسميات تشطيرية أو مشاريع تقود إلى تكريس الانقسام. وفي هذا السياق، فإن أي جهد لتنظيم الجنوب وتوحيد قراره ينبغي أن يُنظر إليه كجزء من مشروع وطني جامع، لا كبديل عنه أو نقيض له.
في المقابل، تصر قوى أخرى على تعميق حالة التشظي، لا حماية للدولة، بل خدمة لأطماع توسعية تراهن على استمرار الانقسام واقتتال اليمنيين فيما بينهم. والتاريخ اليمني يقدم شواهد واضحة: في 1934م، وفي 1994م، ومع أحداث 2015م، كلما تصاعد الصراع الداخلي، تمدد الآخرون على حساب الأرض والسيادة.
الخطر الحقيقي الذي يواجه اليمن اليوم لا يقتصر على السلاح، بل يتمثل في ثقافة التشظي ذاتها، حين تتحول الهويات المناطقية والمذهبية والسياسية إلى بديل عن الهوية الوطنية الجامعة. في مثل هذا المناخ، يصبح الوطن محل مقايضة، ويُدفع اليمني إلى الصراع مع أخيه، بينما تكون الخسارة في النهاية جماعية.
لا مخرج لليمن من هذا المسار إلا عبر مصالحة وطنية شاملة، ولا بديل عن تطبيق مخرجات الحوار الوطني باعتبارها الحد الأدنى التوافقي القادر على منع الانهيار الكامل. وتجربة رواندا تقدم مثالًا بالغ الدلالة؛ فبعد واحدة من أبشع الإبادات في القرن العشرين، اختار الروانديون المصالحة والعدالة الانتقالية بدلًا من الانتقام، فانتصروا للدولة والمستقبل، رغم فداحة الجراح وصعوبة الطريق.
ولليمن نفسه تجربة تؤكد هذا المسار، حين أنهت المصالحة الملكية–الجمهورية حرب الستينيات بعد ثماني سنوات من الاستنزاف، في لحظة انتصر فيها العقل على السلاح، والدولة على الاحتراب.
إن إعادة اللحمة الوطنية تتطلب شجاعة سياسية في تقديم التنازلات، وصبرًا على ردود الفعل الغاضبة، ومشروعًا ثقافيًا وإعلاميًا يواجه خطاب الكراهية، ويكشف مصالح تجار الحروب الذين يعتاشون على الانقسام. كما تتطلب من سلطات الواقع، والأحزاب، والمجتمع المدني، إدراك حقيقة أن الوطن يتسع للجميع، وأن أي مشروع لا يمر عبر بوابة الدولة الجامعة مصيره الزوال.
في المحصلة، فإن كل تنازل متبادل بين اليمنيين ليس ضعفًا، بل حماية للوطن، وكل خطوة نحو المصالحة تمثل هزيمة حقيقية لمشاريع التفتيت. وتبقى الهوية اليمنية هي الإطار الجامع الذي لا غنى عنه، وما عداها هويات جزئية، مهما تنوعت شعاراتها.
اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. شرعية الحوار بداية الحل لمن يريد السلام !




