قراءة في مقال القاضي عبد العزيز البغدادي الموسوم بـ “الإفقار والتجهيل… أليست على رأس كل الجرائم؟”

قراءة في مقال القاضي عبد العزيز البغدادي الموسوم بـ “الإفقار والتجهيل… أليست على رأس كل الجرائم؟”
- قراءة: حسن الدولة
الأربعاء 5 أغسطس 2026-
يُعد مقال القاضي عبد العزيز البغدادي – المنشور عبر صحيفة الشورى الإلكترونية الصادرة الثلاثاء 4 اغسطس – محاولة جادة لتشخيص واحدة من أخطر الإشكاليات التي واجهت الدولة اليمنية والمجتمع اليمني عبر عقود، وهي أن الإفقار والتجهيل ليسا مجرد نتائج لأزمات سياسية أو اقتصادية، بل يمكن أن يتحولا إلى سياسات ممنهجة تُستخدم لإضعاف المجتمع وإخضاعه، بما يفضي في نهاية المطاف إلى إضعاف الدولة ذاتها. وهذه الفكرة تمثل محور المقال، وقد أحسن الكاتب في ربطها بغياب العدالة وسيادة القانون، باعتبارهما الضمانة الحقيقية لحماية الإنسان والدولة معًا.
ولعل استشهاده بالقول المنسوب للإمام علي كرم الله وجهه: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته”، يفتح الباب لقراءة هذه القضية من منظور أوسع، وهو المنظور القرآني الذي يضع الأساس الفكري والأخلاقي لفهم العلاقة بين الغنى والفقر. فالقرآن الكريم لا يجعل الغنى دليلًا على رضا الله، ولا الفقر دليلًا على سخطه، وإنما يعتبرهما ابتلاءً يكشف حقيقة الإنسان في تعامله مع حقوق الآخرين. يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. فجاءت كلمة ﴿كَلَّا﴾ لتقلب هذا التصور رأسًا على عقب، وتؤكد أن معيار الكرامة الحقيقي هو إقامة العدل وأداء الحقوق، لا حجم الثروة أو مقدار الفقر.
ومن هذه الزاوية، فإن الإفقار لا يصبح مجرد خلل اقتصادي، بل يتحول إلى قضية أخلاقية وسياسية وقانونية، لأن الفقر في كثير من الأحيان ليس نتيجة ندرة الموارد، وإنما نتيجة سوء إدارتها، أو احتكارها، أو ضياع الحقوق المرتبطة بها. ولعل أول صراع عرفته البشرية، حين قتل ابن آدم أخاه، يجسد أن الطمع والحسد والتنافس على المصالح كانا من أوائل أسباب الظلم في تاريخ الإنسان، وهو ما يجعل معالجة الظلم الاقتصادي جزءًا من معالجة الظلم الإنساني بصورة عامة.
لقد انتقل الإسلام من هذا التأصيل النظري إلى التطبيق العملي. فبعد الحصار الاقتصادي الذي فرضته قريش على النبي عليه الصلاة والسلام وبني هاشم في شعب أبي طالب، قامت في المدينة دولة جعلت من التكافل الاجتماعي ركيزة من ركائز النظام العام، حتى أصبح صاحب الفضل في المال مسؤولًا عن إعانة من لا فضل له، وتحولت حماية الفقراء والمحتاجين من عمل تطوعي إلى وظيفة أصيلة من وظائف الدولة والمجتمع.
ومن هنا يمكن فهم مواقف الخلفاء الراشدين في إدارة المال العام. فقد نُقل عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من أغنيائهم فرددته على فقرائهم.” وهي عبارة تعكس إدراكًا مبكرًا لمسؤولية الدولة في معالجة الاختلال الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية.
أما الإمام علي كرم الله وجهه، فقد قدم نموذجًا أكثر وضوحًا في صيانة المال العام، حين أعلن في أول خطاب له بعد توليه الخلافة عزمه على استرداد الأموال التي خرجت من بيت مال المسلمين بغير حق، وقال: “والله لو وجدته قد تُزوِّج به النساء، ومُلِكَ به الإماء، لرددته؛ فإن في العدل سعة.” وهو إعلان يؤكد أن المال العام لا تسقط المطالبة به بالتقادم، ولا تكتسب التصرفات غير المشروعة حصانة بمرور الزمن. وقد أدرك خصومه خطورة هذا المشروع، حتى نُسب إلى عمرو بن العاص قوله لمعاوية بن أبي سفيان: “ما أنت صانع إذا قشرك ابن أبي طالب كما تُقشَّر العصا من لحائها؟”، في إشارة إلى عزمه على تجريد أصحاب الامتيازات غير المشروعة مما حصلوا عليه من أموال الأمة.
كما تُنسب إلى الإمام علي مقولتان بالغتا الدلالة: “ما جاع فقير إلا بما مُتِّع به غني.” و*”ما رأيت نعمةً موفورة إلا وإلى جانبها حقٌّ مضيَّع.”* وسواء صحَّت نسبة هاتين العبارتين إليه أم لم تصح، فإنهما تعبران عن معنى عميق مؤداه أن اتساع دائرة الفقر غالبًا ما يكون انعكاسًا لاختلال العدالة في توزيع الثروة والفرص، أكثر من كونه نتيجة لندرة الموارد.
وفي هذا السياق، تتكامل الرؤية التي طرحها القاضي عبد العزيز البغدادي في بقية محاور مقاله؛ فمسؤولية السلطة لا تقف عند إدارة الشأن العام، وإنما تشمل حماية كرامة الإنسان، وصيانة المال العام، وإدارة الثروة الوطنية بما يحقق المصلحة العامة. كما أن حديثه عن الاقتصاد باعتباره عصب الدولة الحديثة يعبر عن حقيقة أكدتها التجارب الإنسانية، وهي أن قوة الدول تقاس بقدرتها على إدارة مواردها بعدالة وكفاءة، لا بمجرد امتلاكها لتلك الموارد.
ولعل من أهم ما أثاره المقال ربطه بين السيادة الوطنية والتنمية الاقتصادية، فالدولة التي تفقد قرارها المستقل لا تستطيع أن تدير ثرواتها وفق مصالح شعبها، كما أن السلطة التي تفقد شرعيتها الأخلاقية والقانونية تعجز عن بناء اقتصاد يخدم المجتمع. ومن هنا جاء تشخيص الكاتب لواقع اليمن بوصفه نتيجة تراكمات من الفساد، وسوء الإدارة، وإهدار الثروة، وتمزيق مؤسسات الدولة، وهي قضايا لا يمكن تجاوزها إلا بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة القائمة على المواطنة والعدالة وسيادة القانون.
إن أخطر ما يصيب الأوطان ليس فقرها في الموارد، وإنما فقرها في الإدارة الرشيدة، وغياب الإرادة السياسية التي تجعل الإنسان محور التنمية وغايتها. واليمن، بما يمتلكه من موقع استراتيجي، وتاريخ عريق، وثروات متنوعة، لم يكن يومًا بلدًا فقيرًا، لكنه أُفقر حين غابت الدولة القادرة على حماية ثرواته وإدارتها لمصلحة جميع أبنائه.
ومن هنا، فإن معركة استعادة الدولة لا تنفصل عن معركة استعادة العدالة، كما أن التنمية لا يمكن أن تتحقق في ظل الفساد والإفلات من المساءلة. ولذلك فإن الرسالة الجوهرية التي يحملها مقال القاضي عبد العزيز البغدادي هي أن بناء الدولة يبدأ بإعادة الاعتبار للإنسان، وبإقامة العدل، وصيانة المال العام، وإخضاع السلطة للقانون، لأن الأمم لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض حين يصبح العدل أساس الحكم، والحرية أساس المواطنة، وسيادة القانون أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع.
اقرأ أيضا:يوميات البحث عن الحرية .. الإفقار والتجهيل… أليست على رأس كل الجرائم؟




