الانتهازية السياسية.. عندما تسقط الأقنعة
الانتهازية السياسية.. عندما تسقط الأقنعة
بقلم /إبراهيم الحبيشي
الثلاثاء 21 يوليو 2026-
في مشهد سياسي يعج بالتناقضات، يبرز سؤال محير: كيف يستطيع الانتهازيون أن يزيحوا المناضلين الحقيقيين من مواقعهم، ويحتلوا مساحات لم يكافحوا من أجلها؟ إنها معادلة غريبة، لكنها حاضرة بقوة في واقعنا السياسي.
يمتلك الانتهازيون مهارة فائقة في قراءة المشهد، يتنقلون بين الأحزاب والتيارات كالنحلة التي تبحث عن رحيق المصالح، لا يربطهم بأي حزب أو فكر سوى خيط رفيع من المنفعة، فإذا انقطع، انتقلوا إلى ضفة أخرى بلا تردد ولا أثر للندم. إنهم أشبه بالبوصلة التي لا تشير إلى الشمال الثابت، بل إلى حيث توجد الرياح المواتية.
والأكثر إيلامًا أن هؤلاء يصبحون أكثر قبولًا من المناضلين المخلصين، أصحاب التاريخ الناصع والمبادئ الراسخة. كيف يحدث هذا؟ ربما لأنهم أتقنوا فن التلون، وصقلوا مهارات التأثير والظهور بالمظهر الذي يرضي الجميع، بينما يظل المخلصون أسرى وضوحهم وصراحتهم، فلا يحسنون التودد ولا يتقنون التمويه.
إن الانتهازي يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، ومتى يرفع صوته ومتى يخفضه، يرتدي أقنعة متعددة تناسب كل مناسبة، يبكي مع الباكين ويضحك مع الضاحكين، وكله من أجل موقف أو منصب أو سلطة. أما المناضل، فيلتزم بخطابه وفكره حتى لو كان ثمنه العزلة، لأنه يدرك أن المبادئ ليست ملابس نرتديها في الصباح ونخلعها عند المساء.
ولعل الأغرب أن المجتمع نفسه يساهم أحيانًا في ترسيخ هذه الظاهرة، حين يخلط بين المرونة السياسية والانتهازية، وبين البراغماتية والتلون، فيكرم من لا يستحق التكريم، ويقدم من لا يقدم سوى وعود سرابية. وكأنما أصبح “فن البقاء” معيارًا للنجاح، بينما يُنظر إلى المخلصين على أنهم متصلبون أو غير قادرين على مواكبة العصر.
لكن الزمن، ذلك القاضي العادل، لا تخدعه الأقنعة، ولا تروقه التزييف. هو كفيل بكشف الوجوه، وإعادة الأمور إلى نصابها، ليبقى التاريخ شاهدًا على نضالات المخلصين وفضيحة للمتقلبين. فكما أن الماء وإن صفا فوقه يعكر قاعه، كذلك السياسة سرعان ما ينكشف زيف مدعيها، ويبقى الأثر الطيب لمن صدقوا وثابروا.
في النهاية، سيبقى سؤال يلح علينا: هل نحن بحاجة إلى ثقافة سياسية جديدة تعيد الاعتبار للمبادئ، وتجرد الانتهازية من قداستها الزائفة؟ أم أننا سنظل نراقب سقوط الأقنعة واحدًا تلو الآخر، كلما بدأ العد التنازلي لمرحلة سياسية جديدة؟ التاريخ وحده كفيل بالإجابة.


