كيف نفهم التقوى

كيف نفهم التقوى
- أحمد سليم الوزير
الجمعة 29 مايو 2026-
بعد ان تم إقالة أحد الاشخاص الاكفاء من منصبه وتم استبداله باخر ليس مؤهل علميا ليشغل ذلك المنصب قيل لمهندس ذلك التغيير هذا الموظف الجديد ليس فاهم! فرد بثقة اتقوا الله، يعلمكم الله تذكرت حديث للرسول صلى الله عليه واله وسلم حين قال (من استعمل رجلا من عصابة وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله وخان رسوله وخان المؤمنين) لا شك ان التقوى مصدر رئيسي للعلم، لكن هذا لا يعني ان تأخذ رجل مشهور بالتقوى لكن لا يفقه في الطب وتقول له فلان فيه سرطان اكتب له برنامج علاجي، فهذا يعد خبلا.
كذلك بالنسبة للوظيفة العامة في مرافق الدولة عندما يتم الاختيار بمبرر ان فلان متقي وهو لا يمتلك الخبرة العلمية والعملية فهذا يدل على نقص التقوى في من قام بالتعين و من تم تعينه.
لقد اختار الله طالوت ولم يكن المعيار وجاهته الاجتماعية او نفوذه السياسي او قدرته المالية، بل كان المعيار الاهم هو انه ان الله زاده بسطه في العلم والجسم، علم وجسم يستطيع من خلالهما القيام بوجباته. لا شك ان طالوت كان متقي لهذا زاده الله الله بسطه في العلم والجسم،
إذن فالترتيب المنطقي هو ان التقوى سبب للعلم وبعد ان يحوز الانسان العلم يكون مؤهل للقيام بالعمل وبسبب التقوى سوف يزداد علما ويكون مؤهل للقيام بأعمال أكبر.
ايضا التقوى مكانها القلب ولا يمكن القطع بان فلان متقي الا بعد اختباره في السراء والضراء، وإذا عرض على شخص متقي وظيفة في مجال معين وهو يعلم ان هناك من هو اكفاء منه في هذا المجال فان التقوى تحتم عليه ان يعتذر ويرشح من هو اكفاء منه.
ومن الخطأ الكبير الذي وقعت فيه كثير من المؤسسات والمجتمعات أنها جعلت العلاقة بين التقوى والكفاءة علاقة تضاد، وكأن وجود العلم والخبرة يقلل من قيمة الصلاح، أو أن الصلاح يغني عن المعرفة والخبرة. بينما المنهج الصحيح أن التقوى والكفاءة يكمل أحدهما الآخر، فالكفاءة بلا تقوى قد تتحول إلى فساد واستغلال، والتقوى بلا كفاءة قد تتحول إلى عجز وإضاعة لحقوق الناس.
ولهذا كانت الشريعة شديدة في باب الأمانات والولايات، لأن نتائج الخطأ فيها لا تقف عند شخص واحد، بل تمتد آثارها إلى مجتمع كامل. فالطبيب غير المؤهل قد يهلك المرضى، والمهندس غير الكفؤ قد يتسبب في انهيار المنشآت، والقاضي الجاهل قد يضيع الحقوق، والمسؤول الإداري الضعيف قد يعطل مصالح الناس ويهدر المال العام وهكذا.
ومن هنا نفهم لماذا لم يكن الأنبياء عليهم السلام يكتفون بمجرد الصلاح عند الحديث عن تحمل المسؤولية، بل يذكرون القدرة المناسبة لها. فالنبي يوسف عليه السلام لم يقل: إني صالح أو متقٍ فقط، بل قال: “إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ” فالحفظ أمانة، والعلم كفاءة، وبهما تستقيم المسؤولية.
وكذلك ابنة الرجل الصالح حين وصفت موسى عليه السلام قالت: “إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” فالقوة هنا ليست قوة البطش فقط، بل القدرة على أداء العمل وإتقانه، والأمانة هي التي تمنع من استغلال تلك القدرة في الظلم والفساد.
ولهذا فإن تقديم شخص غير مؤهل بحجة صلاحه الظاهر لا يضر المؤسسة فقط، بل يسيء حتى إلى مفهوم التدين نفسه، لأن الناس حين يرون الفشل والضعف والجهل مرتبطاً بمن يُقدَّم على أنه “رجل صالح” فإن ذلك يخلق نفوراً من الخطاب الديني ويجعل البعض يظن أن الدين يعادي العلم والخبرة، بينما الحقيقة أن الإسلام من أكثر الشرائع تعظيماً للإتقان والمعرفة وتحمل المسؤولية بحقها.
إن المتقي الحقيقي لا يفرح بمنصب لا يحسنه، بل يخاف منه، لأنه يعلم أن المناصب ليست تشريفاً بل تكليف وسؤال يوم القيامة.
ولهذا كان كثير من علماء يهربون من الولايات والمسؤوليات إلا إذا علموا أنهم قادرون عليها، لأنهم يدركون أن ظلم الناس لا يكون فقط بالسرقة والخيانة المباشرة، بل قد يكون أيضاً بتولي من لا يحسن إدارة شؤونهم.
كما أن من علامات ضعف التقوى عند بعض الإدارات أنها تعتبر الاعتراض على الشخص غير المؤهل نوعاً من الحسد أو قلة الدين، مع أن النصيحة للأمة وللمؤسسات من أعظم الواجبات. فحين يقول المختص إن هذا الشخص لا يمتلك الخبرة الكافية، فهذا في الأصل تحذير من ضرر متوقع، وليس طعناً في دين أحد أو نياته.
ولو تأملنا حال الأمم الذي نهضت لوجدنا أنها لم تنهض بالمجاملات ولا بالولاءات الشخصية، بل حين جعلت الرجل المناسب في المكان المناسب، وأخضعت الوظائف لمعايير العلم والخبرة والقدرة على الإنجاز. أما حين تُدار المؤسسات بالمحاباة أو بالشعارات المجردة فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع الأداء وازدياد الفشل وضياع الحقوق.
ومن أعظم صور التقوى أن يعترف الإنسان بحدود معرفته، وأن يقول: لا أعلم، أو أن هذا المنصب يحتاج من هو أقدر مني. فهذه الكلمة لا تنقص من قدره، بل ترفعه عند الله وعند العقلاء، لأن الذي يعرف قدر نفسه أقرب إلى الحكمة ممن تدفعه الرغبة في المنصب إلى تحمل ما لا يحسن.
وفي النهاية، فإن بناء المؤسسات الناجحة لا يكون بالاعتماد على السمعة أو العاطفة أو الشعارات، وإنما يقوم على ركنين عظيمين: الأمانة والكفاءة.
فإذا اجتمعت التقوى مع العلم والخبرة صلحت الإدارة وازدهرت المؤسسات، وإذا غاب أحدهما اختل الميزان؛ لأن الأمة لا يصلح أمرها بالصالح الجاهل، كما لا يصلح بالفاسد الخبير، وإنما يصلح أمرها بالأمين القوي، الحفيظ العليم.
اقرأ أيضا: سقوط الأقنعة: كيف كشفت السياسات الإماراتية حقيقة الصراع




