كتابات فكرية

يوميات البحث عن الحرية .. عن الحروب العبثية ومحاولة لفهم الفرق بين الثورة والانقلاب

يوميات البحث عن الحرية .. عن الحروب العبثية ومحاولة لفهم الفرق بين الثورة والانقلاب

  • ​عبد العزيز البغدادي

الاثنين 2 نوفمبر 2026-

​يخوض العالم الأكثر وعياً واهتماماً بالعلم والعدل والحرية والسلام معارك مستمرة لحل مشكلاته، رغم أن نسبة من يخوضون هذه المعارك تعلو وتهبط بين حين وآخر وتختلف من بلد إلى بلد، وهي اليوم في حالة هبوط عام، ولكنها مع ذلك معارك لم ولن تتوقف، أو هكذا يبدو.

​وأكثر الشعوب والدول وعياً وإدراكاً واهتماماً بالعلم هي التي تسعى نحو امتلاك أدواته والنهوض بها وتطويرها؛ ليصبح العلم مصدر كل الثروات وأساس كل المنطلقات نحو إنتاج الحلول لجميع المشكلات.

​ومدخل وبداية ومنطلق حل أي مشكلة وطنية كانت أو قومية يكمن ابتداءً في تشخيص أسبابها تشخيصاً علمياً دقيقاً، دون مواربة أو مراوغة أو هروب من متطلبات العلم إلى عالم الخرافة، وبحيادية تامة؛ لأن الأسباب قد تمس رغبات وانتماءات وميولاً فئوية أو دينية أو مذهبية أو مناطقية ضيقة، أو أي هويات فرعية يعتقد المنتمون إليها أن معركة العلم ضد الجهل ستضر بمصالحها الضيقة، المذهبية أو المناطقية أو الحزبية أو غيرها.

​ولو امتلك أصحاب المصالح والهويات والانتماءات الفرعية وعياً ناضجاً بعلاقتها العضوية بالهوية والمصلحة الوطنية العامة، لأدركوا أن ما يشكل خطراً على الهوية الوطنية والمصلحة العامة العليا يشكل بالتأكيد خطراً على مبدأ احترام الهويات والمصالح الخاصة والفرعية المشروعة، وليس العكس.

​أي إن تغليب المصلحة الخاصة على العامة يضر بالمصلحتين؛ لأن المصلحة العامة هي الإطار لكل المصالح المشروعة، وقد وجدت لترعاها وتحميها من الصراعات والحروب التي تُخاض خدمةً للمصالح غير المشروعة وتضمن استمرارها. ولا توجد مشكلة أخطر من اشتعال وإشعال الحروب الداخلية بين أبناء الوطن الواحد بالأصالة خدمة لمن يسعى إلى الاستحواذ على السلطة بالقوة وتحويل الناس إلى عبيد باسم وحدة الصف، أو بالوكالة؛ وكلها حروب قذرة مهما جرى تزيينها أو إضفاء القدسية والنزاهة عليها ومهما ظن مشعوها عكس هذا المبدأ.

و​لا يوجد شعب حر يمتلك الوعي والإدراك يستمر في اختلاق الاسباب والذرائع لاستمرار القتال المتقطع بين أبنائه، وصنع الاعداء دون أن يعمل بجد في سبيل معرفة أسباب المشكلة التي تخلق الحروب أو تُخلق الحروب باسمها، والبحث عن كيفية حلها حلاً نهائياً باستئصال أسبابها الحقيقية.

​إن الحل النهائي والبات والحاسم بسيط، بل وبسيط جداً، إذا أدركنا يقيناً أن أسباب الحروب المستمرة في اليمن -على سبيل المثال- منذ أكثر من 1000 عام، وفي آخر محطاتها (أي منذ حوالي 2015م)، ما تزال هي نفسها؛ والتي تكمن في السباق على السلطة والسعي المريض للاستيلاء عليها بقوة السلاح.

​ولهذا يتوجب على الجميع التوجه رسمياً -إن وجد في القيادات السياسية المتعاقبة على اعتلاء السلطة بالقوة والاحتيال أو بما يشبه الشرعية- يتوجب على من يحمل من هؤلاء بذرة خير أن يستخدم -ولو لمرة واحدة- هذه البذرة في التوجه نحو الطريق الأصوب والأسلم والأكثر واقعية واحتراماً للذات وللإنسانية.

وسيجد أن هذا الطريق حقاً وصدقاً وعدلاً ويقينا لا بديل عنه؛ وهو الالتزام الفعلي الصادق من كل الأطراف المتحاربة بالباطل بمبدأ التداول السلمي للسلطة، بما يستوجبه من تجريم أي شكل من أشكال الاستيلاء على السلطة بالقوة أو بالاحتيال باسم الدين أو بأي فكر آخر.

​وهذا المبدأ ليس من ابتكاري حتى يصفني البعض بسبب تكراري التأكيد عليه- بالحالم أو صاحب النظرة المثالية؛ سيجد هؤلاء أنه قمة الواقعية.

​لقد أصبح هذا المبدأ واقعاً معاشاً في كثير من بلدان العالم التي انتهت فيها الصراعات والحروب على السلطة، أو على الأقل ضاق فيها المجال أمام الانقلابات والثورات التي عاشها العالم في القرون السابقة، وآخرها في الوطن العربي وما حوله، وهي نوعان:

1- ​ثورات قامت لتحقيق أهداف وطنية عامة: وأهمها في اليمن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م.

2- ​انقلابات لأهداف خاصة: مذهبية أو دينية.

​فالانقلابات الغير مشروعة تحركها رؤية مذهبية أو حتى دينية لا يمكن أن تُوصف بالثورة؛ لأن الدين لله وهو اختيار شخصي لا يحق لأحد أن يمتلكه ويحوله إلى سلاح بيده يستخدمه هنا وهناك وكأنه قد امتلك الدولة بالاستيلاء على السلطة ليمتلك باسمه زمام أمر إخوانه في الوطن الذي يعيش فيه، على افتراض أنه يؤمن بالمواطنة المتساوية؛ بينما الانتماء الوطني التزام إجباري لكل أبنائه.

​فإن لم يوجد في التوجه الرسمي بذرة خير، فللشعب حينها -من خلال قواه الحية- التحرك للتغيير تحقيقاً لأهداف الثورة العامة؛ ولا بد تبعا لذلك من الانطلاق من أهداف ثورة السادس والعشرين من سبتمبر التي فجرها مكون وطني يمثل توجه وطني غير منحاز لمذهب وإنما بهدف رفع الظلم عن كل الوطن والقضاء على اسباب الجهل والجوع والفقر والمرض، وقد صاغ ذلك في أهدافه العامة الستة التي لا خلاف حولها، والتي قام بها من يمثلون نخب المجتمع اليمني حينها.

​وهي أهداف لم يتحقق معظمها بعد؛ لاصطدامها بأجندة ومصالح فئات ضالة مضلة داخل المجتمع، تحركها الأطماع غير المشروعة والتعالي على أبناء الوطن وأصحاب الحق فيه وفي الجوار لان لهم أجندة ووجد في الظلم ما يساعده على تحقيق هذه الاجندة التي زادت مع زيادة الانقسامات الداخلية والخلافات التي تنخر في جسم الوطن.

​والانقلابات المذهبية -كما سبق أن أوضحنا- لا يمكن وصفها بالثورة، وهي غير قابلة للبقاء والاستمرار لمنافاتها مبادئ العدالة والحرية والمواطنة المتساوية.

​كما أن أهداف ثورة 26 سبتمبر 1962م تتوافق وتنسجم تماماً مع جوهر الأنظمة الديمقراطية العادلة، وتؤدي إلى تحقيق السلام الاجتماعي، وتضمن العلاقات السليمة مع الجوار والعالم، بما يحقق مبادئ القانون الدولي والعلاقات الدولية والإنسانية ويحقق السلام.

​والذين يستهدفون ثورة 26 سبتمبر لأي سبب أو أجندة إنما يستهدفون أنفسهم وبني وطنهم؛ لأنه لا بقاء لهم ولكل مواطن بدون تحقيق مبدأ المواطنة المتساوية والعدالة والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة.. فهل في هذا خيال أو مثالية، أم أن أعداء هذا المبدأ هم من يبحثون عن المستحيل ويعارضون منطق العصر والحياة؟!

​مدوا أبصاركم نحو السماء والأرض

واسألوا البحر ومن يحسب نفسه في الأرض إلهاً:

عن تلاقي القلوب بالعقول؟

وهل للكون لغة مشتركة

تساوي لغة الريح؟!

وهل من مجيب؟!

اقرأ أيضا:صراع البطون

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى