كيف قلبت صنعاء الطاولة على الرياض؟

كيف قلبت صنعاء الطاولة على الرياض؟
كيف قلبت صنعاء الطاولة على الرياض وأشعلت أزمة الطاقة العالمية؟
بقلم: د. عبدالرحمن المؤلف
الثلاثاء 28 يوليو 2026-
المقدمة: اثنا عشر عاماً من الحصار تنتهي بضربة معاكسة
في 20 يوليو/تموز 2026، وبعد اثني عشر عاماً من الحصار السعودي الشامل على الموانئ والمطارات اليمنية، أعلنت حكومة صنعاء فرض حظر بحري شامل على الملاحة البحرية السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، إلى جانب حظر جوي على المجال الجوي السعودي. لم تكن هذه الخطوة مجرد رد فعل عسكري، بل كانت إعلاناً عن تحول استراتيجي جذري في موازين القوى: المحاصر يحاصر، والمضيق يتحول إلى سيف مسلط على عنق الاقتصاد السعودي والعالمي.
ما يحدث اليوم في البحر الأحمر ليس حلقة جديدة في صراع إقليمي، بل هو فتحٌ لجبهةٍ ثانيةٍ في حرب الطاقة العالمية، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل كانت صنعاء تنتظر اللحظة المناسبة لتقلب الطاولة، أم أن الرياض راهنت على الوقت وأخطأت في قراءة المشهد؟
أولاً: خلفية الصراع – من حصار إلى خارطة طريق لم تُنفذ
تعود جذور الأزمة إلى مارس/آذار 2015، حين أعلنت السعودية فرض حصار شامل على اليمن براً وبحراً وجواً، في إطار تدخلها العسكري لدعم الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً. استمر الحصار لأكثر من عقد، تسبب خلاله في أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم، مع منع الوقود والأدوية والغذاء عن ملايين اليمنيين.
في عام 2023، وقّعت حكومة صنعاء مع السعودية اتفاق “خارطة طريق” بهدف حل المسائل العالقة والوصول إلى سلام دائم. لكن الرياض، وفقاً لمصادر متطابقة، لم تلتزم بتنفيذ بنود الاتفاق، مما جعل اليمنيين يدركون أن المفاوضات وحدها لا تجلب الحقوق، وأن القوة وحدها هي التي تجبر الخصم على الجلوس إلى طاولة جدية.
في 2024، انشغلت صنعاء بعمليات إسناد غزة، مما أخر مطالبتها السعودية بتنفيذ الاتفاق. لكن هذا التأخير لم يكن تراجعاً، بل كان إعادة تموضع واستعداداً للخطوة الأكبر.
ثانياً: “طوفان الأحرار” – كيف فرضت صنعاء حصاراً على السعودية؟
في 20 يوليو/تموز 2026، أعلنت القوات المسلحة اليمنية فرض حظر بحري شامل على الملاحة البحرية السعودية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، مع حظر جوي على السعودية. هذا يعني عملياً أن أي سفينة ترفع العلم السعودي أو تديرها شركات سعودية أو تتجه إلى موانئ السعودية، ستكون هدفاً مشروعاً.
الرسالة كانت واضحة: “ما فعلتموه بنا لأكثر من عقد، سنفعله بكم اليوم”.
بعد يومين، استهدفت القوات اليمنية سفينتين سعوديتين في البحر الأحمر، مما دفع السعودية للرد بقصف مدينة الحديدة ومينائها وجزيرة كمران بعدة غارات جوية. لكن الرد اليمني كان أقسى: قصف ميناء جيزان وميناء ينبع النفطي بعدد من الصواريخ والمسيرات، ما أسفر عن حرائق كبيرة، بحسب ما أكدته وكالتا رويترز وبلومبيرغ نقلاً عن صور الأقمار الصناعية.
ثالثاً: تفاصيل الهجوم – دقة تكتيكية وتنوع في التسليح
بحسب المعلومات المتاحة، نفذت القوات اليمنية هجوماً على مرحلتين:
المرحلة الأولى:
· استهداف منشآت تكرير تابعة لشركة “أرامكو” بطائرات مسيرة أحادية الاتجاه.
· إطلاق 10-15 صاروخاً باليستياً قصير المدى (SRBM).
المرحلة الثانية:
· استهداف مصافٍ ومنشآت تكرير تابعة لأرامكو بطائرات مسيرة بعيدة المدى.
· إطلاق أكثر من 20 صاروخاً باليستياً متوسط المدى (MRBM).
المسافات تشير إلى دقة في اختيار الأسلحة:
· جيزان (235 كم) استُهدفت بطائرات “صماد-2/3” وصواريخ “قاهر-1″ و”قاهر-2M”.
· ينبع (أكثر من 1120 كم) استُهدفت بطائرات “صماد-3” (مدى 1800 كم) وصواريخ “بركان-3” أو “طوفان” (مدى 1200-1500 كم).
النتيجة: بحسب مقاطع الفيديو المتداولة عبر المصادر المفتوحة، فإن الغالبية العظمى من الصواريخ والمسيرات أصابت أهدافها، محدثة أضراراً بالغة في منشآت حيوية.
رابعاً: الهجوم في عمق السعودية على خطوط نقل البترول من شرق السعودية الى غربها – ومنشأة بقيق
لم يتوقف الأمر عند الموانئ، بل امتد لاحقاً إلى استهداف خطوط نقل البترول من شرق السعودية إلى غربها، ومنشأة بقيق العملاقة، التي تُعدّ أكبر معمل لتكرير النفط في العالم. وأسفرت الضربات عن حرائق كبيرة، وفقاً لرويترز وبلومبيرغ، مما يعني أن صنعاء لم تعد تقتصر على استهداف الموانئ، بل باتت تضرب قلب الصناعة النفطية السعودية.
خامساً: التداعيات العالمية – “مضيقان” في قبضة واحدة
ما يجعل الأزمة الحالية استثنائية هو تزامنها مع إغلاق مضيق هرمز. ففي فبراير/شباط 2026، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً على إيران، فردّت طهران بإغلاق المضيق، مما أدى إلى توقف نحو 17 مليون برميل يومياً من النفط الخام والمكثفات عن العبور.
قبل الهجوم على إيران، كانت السعودية تستخدم خط الأنابيب الشرقي-الغربي لنقل النفط من حقولها الشرقية إلى ينبع على البحر الأحمر، ومن هناك عبر باب المندب إلى الأسواق العالمية. لكن إغلاق باب المندب من قبل صنعاء يعني أن السعودية فقدت منفذها البديل الوحيد، وأن ما يقرب من 75% من صادراتها النفطية أصبحت مرهونة بإرادة صنعاء.
الأرقام تتحدث:
· تمر عبر مضيق باب المندب يومياً نحو 6.2 مليون برميل من النفط الخام والمشتقات، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA).
· مع إغلاق هرمز وباب المندب معاً، يُقدّر أن نحو 25% من الإمدادات النفطية العالمية أصبحت مهددة بالانقطاع.
· أسعار النفط قفزت إلى ما يتجاوز 100 دولار للبرميل، وسط توقعات بوصولها إلى 120-150 دولاراً إذا استمر الإغلاق.
سادساً: الأضرار على السعودية – المالية والسياسية والاقتصادية
على المستوى المالي:
· خسائر يومية تقدر بمئات الملايين من الدولارات نتيجة توقف أو تراجع الصادرات النفطية.
· تكاليف إعادة توجيه الناقلات عبر رأس الرجاء الصالح ترفع تكلفة الشحن بنسبة 30-40%.
· تراجع قيمة الريال السعودي مقابل الدولار في السوق الموازية.
· انخفاض إيرادات “أرامكو” سيؤثر مباشرة على الميزانية السعودية التي تعتمد على النفط بنسبة تزيد عن 60%.
على المستوى السياسي:
· فقدان السعودية لدورها كـ”حامي أمن الطاقة” في المنطقة.
· إظهار عجز التحالف العسكري بقيادة الرياض عن حماية أراضيه ومنشآته الحيوية.
· تراجع النفوذ السعودي في المنطقة العربية، وظهور صنعاء كلاعب إقليمي لا يمكن تجاهله.
· إحراج سياسي كبير على المستوى الداخلي، خاصة مع تصاعد الأصوات الناقدة للسياسة العسكرية في اليمن.
على المستوى الاقتصادي:
· ارتفاع تكاليف التأمين على الناقلات المتجهة إلى السعودية بنسبة تجاوزت 300%.
· تحذيرات من وكالات التصنيف الائتماني بخفض التصنيف السيادي للسعودية.
· هروب رؤوس الأموال الأجنبية من السوق السعودي.
· تراجع سوق الأسهم السعودي (تداول) بأكثر من 8% في أسبوع واحد.
سابعاً: تغيير قواعد الاشتباك – صنعاء تنتصر بالهندسة العكسية
ما فعله اليمنيون لم يكن مجرد هجوم عسكري، بل كان إعادة كتابة لقواعد الاشتباك في المنطقة. فبدلاً من أن تكون السعودية هي الطرف القادر على فرض الحصار والإملاءات، أصبحت هي الطرف المحاصر والمهدد في عمق أراضيها.
النقاط التي غيرت المعادلة:
1. القدرات الصاروخية والمسيّرة: أثبتت صنعاء امتلاكها ترسانة متنوعة قادرة على الوصول إلى أي نقطة في السعودية، من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب.
2. الاستخبارات والاستهداف: دقة الضربات تشير إلى قدرات استخباراتية عالية في تحديد الأهداف الحيوية، بما في ذلك منشأة بقيق التي تُعتبر من أكثر المواقع تحصيناً في العالم.
3. التوقيت: اختيار لحظة انشغال العالم بهرمز وإغلاق مضيق هرمز كان عبقرية تكتيكية، جعلت التداعيات العالمية تصل إلى ذروتها.
4. الردع المتبادل: تحولت المعادلة من “من يهدد من؟” إلى “من يستطيع تحمل تكلفة التصعيد أكثر؟”، وهنا يبدو أن السعودية هي الطرف الأكثر خسارة.
ثامناً: السيناريوهات المحتملة – ماذا بعد؟
السيناريو الأول: التصعيد المفتوح
· رد سعودي أوسع على اليمن، قد يشمل ضربات جوية مكثفة أو توغل بري محدود.
· رد يمني بطول مدى أكبر، قد يطال الرياض أو المنشآت النووية والتحلية.
· تدخل أمريكي لحماية الملاحة، لكنه سيكون مكلفاً وقد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
السيناريو الثاني: العودة إلى المفاوضات
· ضغوط دولية على الرياض للعودة إلى طاولة الحوار وتنفيذ خارطة الطريق لعام 2023.
· تقديم تنازلات لصنعاء تشمل رفع الحصار ودفع تعويضات وإعادة الإعمار.
· انسحاب تدريجي للقوات السعودية من اليمن مقابل وقف الهجمات.
السيناريو الثالث: الاستمرار في الردع المتبادل
· استمرار الهجمات المتبادلة بمستويات محدودة، مع بقاء الحصار البحري اليمني قائماً.
· تحول البحر الأحمر إلى منطقة نزاع دائم، مما يرفع تكاليف التأمين والشحن على العالم بأسره.
الخلاصة: السعودية أمام اختبار وجودي
لم تعد الأزمة اليمنية مجرد ملف إقليمي ثانوي، بل أصبحت ورقة ضغط استراتيجية بيد صنعاء، قادرة على شل الاقتصاد السعودي والتأثير على أمن الطاقة العالمي. وما يحدث اليوم في باب المندب ومضيق هرمز معاً، هو ثنائية قاتلة تهدد النظام الاقتصادي العالمي كما لم يحدث منذ عقود.
الرياض التي راهنت على التفوق العسكري التقليدي، تجد نفسها اليوم عاجزة عن حماية أعماق أراضيها، بينما صنعاء التي قيل عنها إنها “ميليشيا” تمكنت من فرض معادلة جديدة تقوم على الردع بالتكلفة، وليس فقط على القوة النارية.
السؤال الحقيقي الآن ليس: “هل تستطيع السعودية كسر الحصار اليمني؟” بل: “هل تستطيع السعودية تحمل استمرار هذا الحصار لأشهر أو سنوات، كما فعلت هي باليمن لأكثر من عقد؟”
الزمن وحده كفيل بالإجابة، لكن المؤكد أن قواعد اللعبة تغيرت إلى الأبد، وأن صنعاء نجحت في أن تقلب الطاولة على الرياض، وأن تجعل من البحر الأحمر ساحة اختبار لقوة جديدة في المنطقة.
ختاماً:
ما نشهده اليوم ليس مجرد حلقة جديدة في الصراع اليمني-السعودي، بل هو نموذج مصغر للحرب الهجينة التي تمزج بين الحصار البحري، الضربات الجوية، الحرب الاقتصادية، والإعلام الرقمي. وفي هذا النموذج، أثبت الطرف الأضعف تقليدياً أنه قادر على تحويل نقاط ضعف الخصم إلى نقاط قوة خاصة به، وأن الردع لم يعد حكراً على الدول الكبرى، بل أصبح في متناول من يمتلك الإرادة والقدرات المتناسبة مع طبيعة العصر.
السعودية أمام لحظة تاريخية فارقة: إما أن تعترف بأن السياسة العسكرية في اليمن فشلت، وتعود إلى طاولة المفاوضات بجدية، أو أن تدفع ثمن هذا الفشل لعقود قادمة. أما صنعاء، فقد أثبتت أنها لم تعد الطرف الذي ينتظر الإذن بالحديث، بل أصبحت كاتباً جديداً لقواعد اللعبة في الشرق الأوسط.
اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. بين دولة حكم الفرد ودولة حكم القانون

قائمة المصادر والمراجع
- وكالة رويترز – تقارير متعددة في يوليو/تموز 2026 حول إعلان الحصار البحري واستهداف السفن والمنشآت النفطية.
- وكالة بلومبيرغ – تحليلات حول حرائق ينبع وبقيق وصور الأقمار الصناعية.
- إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA) – بيانات حول عبور النفط عبر مضيق باب المندب.
- الأمم المتحدة – تقارير عن الحصار على اليمن والأزمة الإنسانية (2015-2025).
- معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى – دراسات حول أمن مضيق هرمز وباب المندب.
- المجلس الأطلسي – تحليلات حول تأثير إغلاق المضيقين على أسواق الطاقة.
- وكالة أسوشييتد برس – تقارير عن الهجمات على جيزان وينبع.
- وكالة تاس الروسية – متابعة للضربات اليمنية على أرامكو.
- وكالة شينخوا الصينية – تغطية للحصار الجوي والبري.
- مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية – تحليلات حول خارطة الطريق 2023 وانهيارها.
- موقع “ألخبار اليمني” – تفاصيل حول المسافات وأنواع الصواريخ والمسيرات المستخدمة.
- شركة كبلر للبيانات البحرية (Kpler) – إحصاءات حول حركة الناقلات في البحر الأحمر.



