من ضغط أسعار النفط إلى خفضها: الهدنة كتكتيك أمريكي للعودة إلى الحرب

من ضغط أسعار النفط إلى خفضها: الهدنة كتكتيك أمريكي للعودة إلى الحرب
- بقلم: د. بكيل محمد الكليبي
الاحد 26 يوليو 2026-
تنفّس العالم الصعداء بعد توقيع الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية اتفاق النوايا الذي أنهى الحرب بينهما، والتي كاد العالم بسببها أن يعيش أزمة خانقة في الطاقة، نتيجة إغلاق الجانب الإيراني لحركة الملاحة وتدفّق النفط في مضيق هرمز، مما فاقم الأسعار وقاد إلى ارتفاعها، حتى أصبحت احتياطات الدول من النفط على وشك النفاد. فاتجه العالم إلى ترقّب تحركات الوسطاء الدوليين، مثل باكستان وقطر، لتقريب وجهات النظر بين الإيرانيين والأمريكيين، وتكللت تلك الجهود بالتوقيع على اتفاق النوايا الذي سمح بعودة انسيابية تدفّق النفط والغاز والمواد الكيميائية في مياه مضيق هرمز، وسمح بخروج كميات ضخمة من موارد الطاقة كانت محمّلة على متن سفن الشحن التي منعها الحرس الثوري الإيراني من المرور في المضيق بعد تهديدها بالقصف الصاروخي المباشر، مما أدى إلى تكدّس آلاف السفن.
شكّل اتفاق النوايا فرصة سياسية حاسمة سمحت بتدفّق كميات هائلة من النفط الذي احتُجز أثناء حرب الـ “40 يوماً” بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ومثّل ذلك نوعاً من الانفراجة المشوبة بالحذر، نتيجة استمرار بعض الحوادث التي شكّلت في مجملها عوائق مؤقتة أمام انسيابية موارد الطاقة في مضيق هرمز. ولم يمنع الاتفاق المؤقت تكرار وقوع حوادث عرضية هنا وهناك، لكنها في المجمل لم تصل إلى مرحلة حرجة من شأنها إلغاء الاتفاق والعودة إلى الحرب والتوتر، فظلت الأمور تسير كما هو مخطط لها، مع إيجاد آلية لفض النزاعات والحوادث حتى لا تعيق الاستمرار في تنفيذ الاتفاق. لكن مع تصاعد أزمة انعدام الثقة المتبادلة بين الطرفين، فإن أي حادث سياسي وعرضي يمكن أن يعيد الأوضاع إلى المربع الأول، مع فقدان أمل العودة لتنفيذ بنود اتفاق النوايا المهدد بالفشل في أي لحظة، وارتفاع وتيرة الصراع في المضيق من جديد، في ظل مراقبة حذرة من قبل الطرفين لأي خلل غير محسوب.
والسؤال الملح: ما مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران في إفشال الاتفاق والعودة إلى الحرب، طالما أنهما توافقا على توقيع اتفاق النوايا الذي وضع حداً للحرب وسمح بتدفّق مشتقات الطاقة في المضيق؟
إن المتابع لمجريات الصراع ومسارات الأحداث السياسية المتداخلة والأجندات الكامنة وراء أهداف كل طرف، يجد أن اتفاق النوايا لا يمكن أن يُكتب له النجاح، نظراً لوجود أهداف خفية لدى الولايات المتحدة وإيران. فالاتفاق المبرم مهدد بالانهيار نتيجة كثرة الحوادث العرضية التي تهدد بقاءه وتقلل من عمره، إذ بدت الأمور وكأنها تسير نحو العودة إلى الحرب مجدداً. وكانت القشة التي قصمت ظهر البعير أحداث هذا الأسبوع، وتحديداً يوم 15 يوليو، التي قادت إلى انهيار اتفاق شهر أبريل، بعد استهداف سفن نفط في المضيق من قبل الحرس الثوري الذي اتهمها بانتهاك قواعد الملاحة التي رسمها لمرور السفن. فاعتبرت الولايات المتحدة أن ذلك التصرف يمثل انتهاكاً للاتفاق وأنه في حكم المنتهي، فعادت الضربات على المواقع الإيرانية، التي أعلنت على إثر ذلك إغلاق مضيق هرمز، فرد الجانب الأمريكي يوم الأربعاء الماضي بشن موجتين من الضربات على جزيرة طنب الكبرى وبندر عباس وقشم، واستمر القصف حتى يوم الخميس لليوم السادس على التوالي حسب بيان القيادة المركزية الأمريكية، في المقابل ردت إيران بإعلان استهداف قواعد تابعة للأولى في البحرين والكويت والأردن.
والملاحظ في تسلسل الأحداث أن موقف كل من الولايات المتحدة وإيران من استمرار الاتفاق وبقاء الهدنة ارتبط بصورة أساسية بعدد من الأهداف، على النحو الآتي:
أولاً: الولايات المتحدة الأمريكية: وجدت نفسها في خضم الأحداث محاصرة بارتفاع أسعار الطاقة في الأسواق، وهو ما يؤثر على صورة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعلى حظوظ حزبه في الفوز بانتخابات التجديد النصفي. وشكّل ذلك قوة دافعة للرئيس لإيجاد حلول لتفاقم الأزمة ولو كانت مؤقتة، حتى وإن أظهر أي اتفاق مع إيران انتصاراً للأخيرة على حساب قوة الولايات المتحدة. كانت واشنطن بحاجة ماسة لاتفاق النوايا، وترتب على ذلك الوصول إلى تفاهم مؤقت سمح بإعادة تدفّق النفط إلى الأسواق ونزول الأسعار من 120 دولاراً إلى نحو 60 دولاراً، فضلاً عن خروج نحو 320 مليون برميل من النفط المحتجز، فتخلصت القيادة الأمريكية من الضغوط الاقتصادية التي كانت تحاصرها.
ثانياً: الجمهورية الإسلامية الإيرانية: مثّل اتفاق النوايا انتصاراً كبيراً للدبلوماسية الإيرانية التي نجحت في تحقيق اختراق واسع بخصوص المطالب والشروط التي فرضتها متطلبات المرحلة، وحصلت على بعض المزايا، منها السماح لها باستخدام بعض الأموال المجمدة في بنوك دول الخليج، إلى جانب رفع الحظر الأمريكي وجميع القيود المرتبطة بتجارة النفط الإيراني، مقابل التزامها بالسماح للسفن المحملة بالنفط بالمرور في مضيق هرمز الذي سبق للحرس الثوري إغلاقه خلال حرب الـ 40 يوماً، مع إعلانها حقها السيادي في الإشراف على الملاحة في المضيق، وهو مبدأ تعارضه الولايات المتحدة وتهدد أي خطوة إيرانية في هذا الاتجاه، في حين تصر طهران على تأكيده باعتباره مشروع تحدٍ واضح للمشروع الأمريكي.
إن العودة المتسارعة للحرب بين الولايات المتحدة وإيران وإنهاء اتفاق النوايا، جاءت نتيجة قيام الحرس الثوري بضرب بعض السفن النفطية في مضيق هرمز بحجة مخالفتها شروط عبور المضيق التي يفرضها، فاستغل الجانب الأمريكي ذلك وأعلن العودة للحرب، بعد أن ضمن تدفق كميات هائلة من الطاقة إلى الأسواق وتخفيض الأسعار، ونظر إلى ذلك على أنه نجاح يمكن البناء عليه للعودة إلى الحرب وتحقيق الهدف الحقيقي منها، وهو السيطرة على موارد الطاقة الإيرانية وحرمان الصين منها.
- د. بكيل الكليبي – رئيس قسم الإعلام جامعة ذمار



