القضاء العادل والقاضي النزيه: “سوسن محمد علي” و”زيد محمد الغفاري” أنموذجان

القضاء العادل والقاضي النزيه: “سوسن محمد علي” و”زيد محمد الغفاري” أنموذجان
- بقلم: حسن الدولة
الخميس 26 مارس 2026-
في خضم الأزمات، تتكشف معادن الرجال، وتظهر قيمة المؤسسات التي تُشكِّل العمود الفقري للدول. لقد علَّمنا التاريخ أن المعارك الحقيقية لا تُحسم بالدبابات والطائرات، بل بمدى رسوخ مؤسسات العدالة. حين سأل الزعيم البريطاني ونستون تشرشل، في أحلك ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، عن حال القضاء قبل الاقتصاد، كان يدرك حقيقة عميقة: العدالة هي البوصلة التي إن صلحت، صلحت البلاد والعباد. وإذا كان تشرشل قد عبر عن هذه الحكمة بعبقريته السياسية، فإن ديننا الحنيف قد سبقها بأربعة عشر قرناً، حين جعل الله تعالى إقامة القسط أساساً لبعثة الرسل وإنزال الكتب، فقال في محكم التنزيل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]. فالقسط هو العدل، وهو الغاية القصوى من الرسالات السماوية، وأساس الحضارات وعنوان بقائها.
ومن هذا المنطلق القرآني والتجربة الإنسانية، نطل اليوم على قامتين قضائيتين يمنيتين مشرّفتين، تجسدان هذا المبدأ العظيم أروع تجسيد، إنهما القاضية سوسن محمد علي، التي شغلت رئاسة محكمة الأموال العامة الابتدائية بأمانة العاصمة، وتشغل حاليًا رئاسة محكمة الأوقاف الابتدائية بالأمانة، والقاضي زيد محمد محمد الغفاري، رئيس المحكمة التجارية الابتدائية بالأمانة، اللذين أثبتا خلال مسيرتهما كفاءة واقتدارًا يضعانهما في مصاف النماذج القضائية النادرة.
إن العدالة ليست مجرد وظيفة يشغلها شخص، بل هي رسالة ثقيلة لا يضطلع بها إلا من اكتملت فيه شروط خاصة، تجعله أهلاً للحكم بين الناس. ففي الشريعة الإسلامية الغراء، وفي القانون الوضعي، ثمة شروط موضوعية لا غنى عنها لمن يتصدر منصة القضاء، وهي الشروط التي نلمسها بوضوح في شخصي القاضية سوسن والقاضي زيد. القاضي يحكم بما أنزل الله، ويحكم بين الناس، فلا بد أن يكون عدلاً في نفسه، مأمون الجانب، لا تُعرف عنه خيانة ولا ريبة. والقاضية سوسن، بشهادة كل من عرفها، نزيهة لا تجامل ولا تحابي، بعيدة عن مواطن الشبهة، التزامها الصارم بأخلاقيات المهنة جعل منها مثالاً للقاضي العدل الذي تقبل شهادته وتُحترم أحكامه. والقاضي زيد الغفاري، الذي تسلم رئاسة المحكمة التجارية خلفاً للقاضي خالد الاثوري، عُرف بالنزاهة والحزم والإدارة، ووصفه المراقبون بأنه “مثال يُحتذى به في العدالة والنزاهة”، يتعامل مع الخصوم بإنصاف ويضع الحق فوق كل اعتبار، فلا يماطل ولا يُجامل، ويمنح كل ذي حق حقه، حتى قيل إن حضوره القضائي يبعث الطمأنينة في نفوس المظلومين .
وليس من قرأ القانون صار قاضياً، بل لا بد من فقه راسخ، وإلمام دقيق بأصول الأحكام، وقواعد الإثبات، وطرق الاستدلال. والقاضية سوسن تتمتع بفقه قانوني عالٍ، يصدر أحكاماً مسببة، واضحة المنهج، قوية البنيان، ولذلك فإن الغالبية العظمى من أحكامها تصمد أمام محاكم الاستئناف والنقض، وهذا خير برهان على علمها وإحكامها. أما القاضي زيد، فقد أثبت كفاءة استثنائية تجلت في أرقام وإنجازات ملموسة، حيث أظهرت الإحصائية القضائية للنصف الأول من العام 1447هـ أن عدد القضايا التي أنجزها بلغ 567 قضية، وهو رقم وضعه في الترتيب الخامس على مستوى جميع قضاة المحاكم في عموم المحافظات من حيث عدد القضايا المنجزة، الأمر الذي دفع رئيس هيئة التفتيش القضائي إلى توجيه رسالة شكر وتقدير رسمية له، مثمناً جهوده المتميزة وحاثاً إياه على الاستمرار بهذه الوتيرة العالية من الإنجاز والعطاء.
ويشترط في القاضي أن يكون كامل الأهلية، سليم الحواس، راجح العقل، حكيماً في تصرفاته. وقد شهد للمرأة اليمنية في السلك القضائي قدرتها الفائقة على إدارة الجلسات، وضبطها بحزم، وفهمها العميق لوقائع القضايا وتشابكاتها. هذه الحكمة هي التي تذكرنا بما أوتيت ملكة سبأ من حكمة وبعد نظر، وما تميزت به أروى بنت أحمد الصليحي من حزم وهيبة ورجاحة عقل. كما شهد للقاضي زيد الغفاري بحكمته وسرعته في فصل القضايا دون إخلال بالحق، وبقدرته على تحقيق إنجازات كبيرة في وقت وجيز رغم ضغط العمل الكبير الذي يعرقل سرعة الإنجاز عادة، مما جعله محل ثناء المتقاضين والمراقبين على حد سواء.
إن وجود قاضٍ نزيه وكفؤ كالقاضية سوسن والقاضي زيد هو النصف الأول من المعادلة، والنصف الثاني، وربما الأهم، هو وجود قضاء مستقل. فالقاضي النزيه في ساحة غير مستقلة، كالشجرة الطيبة في أرض سبخة، لا تؤتي ثمارها كاملة. استقلال القضاء يعني أن يكون القاضي حراً في إصدار حكمه، لا يخاف إلا الله، ولا يخشى لومة لائم، ولا سلطان لأحد عليه في قضائه، لا من السلطة التنفيذية، ولا من ذوي النفوذ، ولا حتى من الرأي العام. وقد عزز الإسلام هذا المبدأ أروع تعزيز، ففي القصة المشهورة التي يرويها التاريخ عن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز، حين رفع إليه أهل سمرقند شكوى من ظلم القائد العسكري قتيبة بن مسلم لهم عند فتح المدينة، لم يتعصب الخليفة لجيشه ولا لقائده، بل كتب إلى عامله: “أن انصب لهم قاضياً ينظر في مظلمتهم”. وهنا المفارقة العظيمة: الخليفة نفسه لم يفصل في القضية، بل أحالها إلى قاضٍ مستقل! فعقد القاضي مجلسه، واستمع لدعوى أهل سمرقند، ووجه الدعوى لقائد الجيش بعد وفاته، ثم أصدر حكماً تاريخياً: بإخراج الجيش الإسلامي من المدينة، وإعادة فتحها وفق قواعد العدل والدعوة. تخيل! جيش بأكمله يخرج من مدينة فتحها بدماء جنوده، امتثالاً لحكم قاضٍ. هذا هو الاستقلال الذي نعنيه. ولو لم يكن القضاء مستقلاً في تلك الحقبة، لقال القاضي: هذا قائد الخليفة، وهذا فتح عظيم، كيف أعكره؟ لكنه قال كلمة الحق، فكانت سبباً في دخول أهل سمرقند في دين الله أفواجاً، لما رأوا من عدل الإسلام في حكامه وقضاته.
ومن هذا المنطلق نثمن مسيرة القاضية سوسن محمد علي، فهي في نظرها لقضايا المال العام والجرائم الاقتصادية وما يتصل بها من مخالفات وظيفية، تعرضت اثناء عملها السابق – رئيسة محكمة الاموال العامة الابتدائية – لضغوط هائلة، وتهديدات لا تُعد، من قبل من تكشف أحكامها فسادهم، أو تردع طمعهم. لكن صمودها وثباتها، وقدرتها على إصدار أحكامها مجردة لله وللحق، هو التطبيق العملي لهذا المبدأ العظيم. وكذلك القاضي زيد الغفاري، الذي تنظر دائرته الاختصاصية في القضايا التجارية التي تمس الاقتصاد الوطني ومناخ الاستثمار، ويواجه بدوره ضغوطاً قد لا تقل عن تلك التي واجهتها “القاضي”ة سوسن، لكنه يظل متمسكاً برسالته، محافظاً على نزاهته، وهو ما جعل رئيس هيئة التفتيش القضائي يشيد خلال زيارته التفقدية للمحكمة التجارية بالدور الذي تضطلع به في حماية الحقوق التجارية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. إنهما يقفان في وجه الإساءات والتشويهات، وهما اللذان تنطبق عليهما مقولة ابن الوردي: “إن نصف الناس أعداءٌ لمن … ولي الأحكام هذا إن عدلُ”. وبحكم اختصاص محكمتيهما، فإن القاضي فيهما يكون عرضة لانتقادات وهجمات من قبل من مست أحكامه مصالحهم أو كشفت تجاوزاتهم، غير أن ذلك لا يبرر الإساءة أو التشهير، بل يستوجب إدانة كل تجاوز بحق القضاة، وملاحقة المسيئين وفق القانون، لأن الإساءة للقضاء هي إساءة للدولة ذاتها وتهديد لهيبتها.
قد يرى البعض أن الحديث عن قاضية امرأة يحتاج إلى تأصيل، وهنا يأتي دور الشاهد الديني. إن الثقة في المرأة المسلمة وقدرتها على التمييز بين الحق والباطل ليست وليدة اليوم، بل هي متجذرة في نصوص الوحي. وقد أشار النبي – عليه وعلى آله وصحابته المحقين أفضل الصلاة والسلام- إلى ذلك بقوله الذي رواه الصحابة الكرام: “خُذُوا شَطْرَ دِينِكُمْ عَنِ الْحُمَيْرَاءِ” أي عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. هذه المقولة العظيمة، وإن كان المحدثون اختلفوا في ثبوتها لفظاً، إلا أن معناها ثابت لا مرية فيه. فقد كانت السيدة عائشة رضي الله عنها أعلم نساء الأمة، وأكثرهم رواية للحديث، وكان الصحابة يفدون إليها من كل حدب وصوب يسألونها عن دقيق مسائل الدين وحلاله وحرامه. بل كانت تفتي وتصحح المفاهيم، حتى قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: “ما أُشكل علينا حديثٌ قط، فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علماً”. وفضحها لكذب روايات ابي هريرة كثيرة، هذه الثقة في علم المرأة وفقهها هي الأساس الذي ينبغي أن ينطلق منه المشرع والقانوني. فإذا كانت الأمة تأخذ شطر دينها عن امرأة، أفلا تؤتمن المرأة على حكم من أحكام المال والوظيفة؟ إن حضور “القاضي”ة سوسن في السلك القضائي ليس بدعة، بل هو امتداد لذلك الفهم العميق لدور المرأة في التبليغ والفتيا والحكم بالعدل، خاصة وأن من منجزات الوحدة اليمنية إفساح المجال للمرأة للالتحاق بالسلك القضائي، حيث أثبتت القاضيات كفاءة ونزاهة تدعو إلى الاعتزاز، بل وتفتح أفق التفكير في توسيع هذا الحضور النوعي.
لقد أثبتت “القاضي”ة سوسن محمد علي، عبر مسيرتها الحافلة بالكفاءة والنزاهة، أن المرأة اليمنية قادرة على أن تكون عنواناً للعدالة.
كما أثبت القاضي زيد محمد محمد علي الغفاري، بما حققه من إنجاز قياسي ونزاهة مشهود لها، أن الرجل اليمني قادر على حمل لواء العدالة في أحلك الظروف. إنهما معاً مثال يُحتذى به، ليس فقط على مستوى اليمن، بل على مستوى العالم العربي. وفي زمن يختلط فيه الحق بالباطل، وتتشابك فيه المصالح، تبرز شخصيات استثنائية تجسد قيم العدالة والنزاهة، ومن أبرزها هذان القاضيان اللذان عُرفا بالكفاءة والاستقامة والقدرة العالية على إدارة الجلسات وقراءة القضايا بعمق وإصدار الأحكام بعد تمحيص دقيق.
وغني عن البيان بان يبقى القضاء المستقل والقاضي النزيه هما الضمانة الوحيدة لاستقرار الأوطان. وحماية قضاة مثل سوسن محمد علي وزيد محمد الغفاري من حملات التشويه، وتكريمهم، والاعتراف بفضلهم، هو واجب على المجتمع بأسره. ومن هنا تبرز ضرورة تعزيز استقلال القضاء وحمايته من أي تدخلات أو ضغوط، بما يكفل للقضاة أداء رسالتهم بحرية وحياد، ويصونهم من حملات التشويه والإساءة. فالقضاء المستقل هو صمام أمان المجتمعات وأساس استقرار الدول، وتكريم القضاة النزيهين والاعتراف بجهودهم من شأنه أن يعزز روح التنافس الشريف في ميدان العدالة، في مقابل ضرورة محاسبة المقصرين حفاظًا على هيبة القضاء ومكانته. كما قال ابن القيم: “الدنيا كلها ظلمات، إلا بقاع العدل”، وسوسن وزيد يسعيان بجهدهم وعلمهم ونزاهتهم لأن يكونا منارتين تنيران تلك البقاع. إن القضاء المستقل هو روح الدولة، والقاضي النزيه هو ضميرها الحيّ، وفيهما يلتقي عمر بن عبد العزيز بسمرقند، وتلتقي سوسن محمد علي وزيد محمد الغفاري بصنعاء، في مسيرة العدالة الإنسانية الخالدة.
اقرأ أيضا: كلية بلقيس في ذاكرة طالب




