كتابات فكرية

سؤال بين يدي 11 فبراير؟

سؤال بين يدي 11 فبراير؟

  • أمين الجبر

الثلاثاء 10 فبراير 2026- 

عندما يتصارع السياسيون، تطغى موجة الفرز الثنائي قوامها: إما أن تكون، مرغما، مع أو ضد. ومع ذلك تبقى ثمة مساحة، وحيز ما للحياد، يمكن له أن ينأى بك ـ ولو إلى حين ـ عن معمعة الصراع.

أما حين يتقاتل المتأدلجون، ويتخندق الفكر، فليس ثمة منطقة وسطى، ولا فسحة للحياد؛ فإما الحياة وفق شروط ونموذج المسيطر، أو الموت تبعا له، الموعود ـ طبعا ـ بالجنة.

هذه الحالة، أو بمعنى أدق هذه الفرضية، تنسحب بطبيعة الحال على المواقف والقراءات المتباينة إزاء الوقائع والأحداث التاريخية الكبرى. فعندما يكتب السياسي ملاحظاته عن حدث تاريخي ما، فإن قراءته يغلب عليها الطابع الانطباعي اللحظي، تبعا لما تفرضه طبيعة المرحلة، وتحدده وجهة المصلحة. لكنه، بأي حال، يدرك أن قراءته تظل نسبية، قابلة للتبدل والمراجعة. والشواهد على ذلك كثيرة، لعل أبرزها حدث 1948م وما كُتب حوله.

أما العقدي المؤدلج، فإنه يقرأ الأحداث قراءة لاهوتية مقدسة، باعتبارها صراعا أبديا بين الحق والباطل، صراعا لا ينتهي إلا بالعبور إلى الجنة، أو الولوج في النار.

وعليه، تتحدد قراءته للتاريخ وفقا لمشروعه الإيديولوجي ومنطقه العقدي؛ فما توافق مع مشروعه فهو الحق، وما تعارض معه فهو الباطل، ولا نسبية ولا منطقة وسط في هذه الحالة.

وهذا ما انطبق، إلى حد بعيد، على القراءات المتعددة والمتباينة لحدث 11 فبراير في اليمن، ولأحداث الربيع العربي عموما؛ إذ تمحورت أغلبها بين مادح وقادح، ومشيد وناقد، ومؤيد ومعارض… حيث بدا كل طرف منطلقا من خلفيته الذهنية التي تمثله، والعاكسة لرؤيته ليس غير. ولِمَ لا؟

فماذا يمكن أن نتوقع من سياسي ارتبطت مصالحه بنظام ما، حين يكتب عن حدث أطاح بأركان ذلك النظام، وبدد مشروع أحلامه، غير النقد والاستهجان؟ وكذلك المؤدلج، لا يمكن أن يكتب عن حدث يرى أنه حطم تابوهاته وأوهامه اليوتوبية، إلا بالصورة التي تخدم منطقه، وقوامها الاحتقار أو التكفير أو الشيطنة. وهو أمر، في سياقه، طبيعي ومتوقع.

غير أن السؤال الذي يظل مطروحا، والباحث عن إجابة موضوعية، هو: ماذا بوسع المؤرخ العضوي الحصيف أن يكتب عن حدث 11 فبراير 2011م، في ظل هذا التجاذب السياسي الثنائي، والتخندق الفكري الإقصائي؟

إن المؤرخ العضوي، المتجذر في نسيج المجتمع، وغير المنحاز لأي خندق، يتعالى على الإغراء العاطفي والضغط السياسي، ليبني قراءة متوازنة، تمزج بين الوثيقة الموثقة، والسياق الاجتماعي، والعوامل الهامشية التي جرى إغفالها. قراءة تكشف الإخفاقات كما ترصد الإنجازات، دون تصنيف ثنائي قاس، وتُوازن بين الأصوات المختلفة، لتحفظ للتاريخ صوته كشاهد حي، لا أداة للانتقام.

نحن، معشر المعنيين بالتاريخ، أحوج ما نكون إلى هذه الموضوعية الصارمة، والإنصاف العادل، لنؤسس لمستقبل يتعلم من الماضي، دون أن يظل أسيره.

إنه، في تقديرنا، السؤال الجوهري والمحوري، المؤجلة إجابته إلى حين، وفقا لشرط التراكم البحثي ونضج التدوين.

فما أحوجنا ـ حقا ـ إلى الموضوعية… وما أمسّ حاجتنا إلى الإنصاف.

اقرأ أيضا: صبري: ثورة 21سبتمبر أعادت الاعتبار لـ 11 فبراير التي حرفت المبادرة الخليجية مساره

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى