كتابات فكريةنافذة على كتاب

استكشاف كتاب “زمن إبراهيم”: رحلة حميمة في عصر الحمدي وعيون شاهدة

استكشاف كتاب “زمن إبراهيم”: رحلة حميمة في عصر الحمدي وعيون شاهدة

بقلم: حسن الدولة

الجمعة 6 فبراير 2025-

يأخذنا كتاب “زمن إبراهيم” لأنور العنسي في رحلة استثنائية عبر ٢٧٦ صفحة، يقدم سرداً شخصياً حميماً وسياسياً دقيقاً لحياة الرئيس اليمني الشهيد إبراهيم الحمدي. لا يكتفي الكتاب بتوثيق الحقبة فحسب، بل يغوص في تفاصيل تشكّل رؤية الرجل وإرثه من خلال عيون مؤلف ارتبط بعلاقة وثيقة بمفاصل الحياة السياسية آنذاك.

يبدأ الكتاب باكتشاف الجذور العائلية والتعليمية للحمدي، ثم يرسم مسار صعوده للسلطة، كاشفاً عن المناورات والمعادلات السياسية المعقدة. وهو عمل تحليلي بارز يعتمد على الوثائق والمقابلات والتحليل الاجتماعي العميق، ليسلط الضوء على إنجازات الحقبة من إصلاحات إدارية ومحاولات بناء الدولة وتعزيز الوحدة الوطنية، ويناقش التحديات والصراعات التي واجهتها تجربة الحمدي القصيرة.

يُفتتح النص بسرد أدبي روائي يجذب القارئ من السطور الأولى، مبتدئاً بلحظة مصيرية من ذاكرة المؤلف الصبا: وهو يلعب الكرة في حارة “فرح” بذمار، يرى الرئيس قادماً لزيارة مدينته المفضلة. تتطور الصدفة إلى لقاء شخصي مؤثر في “مقيل” للرئيس، حيث يكتب الشاب أنور مسودة افتتاحية لصحيفة، فيقرأها الحمدي ويجيز نشرها باسمه، لتكون تلك “الإجازة” هي البوابة التي فتحت له عالم الصحافة والإعلام، ليرتقي لاحقاً ويصبح من أبرز الإعلاميين اليمنيين.

وهنا، تتداخل قراءتي للكتاب مع ذاكرتي الشخصية الحية. فأنا من أكثر الناس تتبعاً لسيرة الرئيس إبراهيم الحمدي، إذ عرفته وعمري سبع سنوات فقط، في أعقاب ثورة السادس والعشرين من سبتمبر مباشرة. لقد التقيته في ظرف غير متوقع: عندما سُجن شقيقي الأكبر عبدالله بدلاً عن والدي في مبنى مدرسة الصناعة (مبنى الأمن القومي لاحقاً) الكائن في ميدان البكيرية المجاور لمدرسة الأيتام. المدهش أن شقيقي سُجن في الغرفة نفسها مع كل من القاضي عبدالله الحجري وابراهيم الحمدي ولما عرف زميله الملازم يحيى المتوكل بذلك استحمل امرا من العقيد حسن العمري للإفراج عنه، وبعد الإفراج التحق للعمل في مكتب العقيد العمري – الفريق فيما بعد – فلم أكن أعرف حينها أن ذلك الشاب هو الذي سيحكم اليمن ويكون اهم شخصية وطنية على مستوى اليمن، ولا يشارك في تلك المكانة من الرؤساء الذين حكموا اليمن سوى الرئيس سالم ربيع علي – سالمين -.

لقد استطاع الأستاذ أنور أن يرسم لنا “زمن إبراهيم” ببراعة، فسرد كيف تغير نمط المعيشة في عهده، وكيف عاد اليمنيون من الشتات الآسيوي بعد زيارة الحمدي التاريخية إلى كمبوديا ودول جنوب شرق آسيا. كما وثق سياسة الرئيس في استيعاب الشباب اليمنيين القادمين من الحبشة والصومال وإلحاقهم بالجيش، ورصد حركة التعاونيات الناشطة، وشق الطرقات، وافتتاح المدارس، ونهضة البناء التي شهدها اليمن بفضل تحويلات المغتربين. ولا أنسى كيف نقل لنا الكاتب صورة اجتماعية دقيقة لتفاعل النساء مع دخول التلفزيون لأول مرة، حيث كن “يتحجلن” أمام شاشته وكأنها معجزة.

لكنني أختلف مع الأستاذ أنور في تحليله لأسباب اغتيال القاضي عبدالله الحجري والأستاذ محمد أحمد نعمان. بينما يشير البعض إلى دوافع مناطقية ومذهبية، تؤكد شهادات معاصرة أن السبب الرئيسي كان محاولات تجديد معاهدة الطائف بصورة دائمة. وقد عايشتُ جانباً من هذه الأجواء أثناء دراستي الجامعية في مصر، حيث شهدت مظاهرة طلابية قادها مجموعة من القوميين والبعثيين واليساريين، من بينهم عبدالقادر باجمال وعبدالعزيز الزارقة وآخرون، اقتحموا السفارة اليمنية. في تلك المواجهة، سقط مسدس السفير يحيى المتوكل، وحاول أحد الطلاب التقاطه، وارتفعت الأصوات، ورفع طالب آخر مزهرية رخامية، في مشهد مضطرب. والمفارقة أن إبراهيم الحمدي نفسه قدم من صنعاء مع الشيخ سنان أبو لحوم لتسفير الطلاب، إلا أن السفير المتوكل توسط للإفراج عنهم لدى السلطات المصرية.

أروي هذه التفاصيل لأؤكد نفياً قاطعاً لأي إشاعة تشير إلى تورط الحمدي في تلك الاغتيالات. يقول الأستاذ أنور: “إلا أن السؤال في التحليل النهائي ظل حول ما إذا كان الحمدي مستفيداً من غياب شخصية سياسية بأهمية الحجري”. أما الحقائق فتشير إلى أن اغتيال الحجري دُبر من خارج الحدود. وهذا ما أكده الأستاذ نعمان نفسه للرئيس اللبناني سليمان فرنجيه عندما قال له: “أنا لم آتِ لأعزيك في ابنك، بل أعزيك بلبنان التي لم تتمكن من القبض على القاتل وهو موجود في المعسكر الفلسطيني داخل لبنان!”.

وأتفق مع الأستاذ أنور في أن الاغتيالين يبقان من الجرائم السياسية التي تُقيد ضد مجهول، لكن الدلائل تتجه نحو صراعات إقليمية حول الترتيبات الحدودية.

باختصار، “زمن إبراهيم” أكثر من كتاب توثيقي؛ إنه رحلة إنسانية تضع القارئ في قلب لحظة تاريخية حافلة. يقدم أنور العنسي تحية إجلال موضوعية لمشروع إصلاحي طموح، ويمنحنا مادة ثرية لفهم تعقيدات الحاضر من خلال جذوره. وبصفتي قارئاً عايش جزءاً من تلك الحقبة، أقول بكل موضوعية: لم أجد كتاباً تناول سيرة الرئيس الحمدي بدقة ومصداقية وتحليل رصين وشامل كما وجدته في هذا العمل الاستثنائي. فهو إضافة لا غنى عنها لكل مهتم بتاريخ اليمن الحديث وروحه الإنسانية العميقة.

اقرأ أيضا: الإمام الشافعي شاعراً .. ​(نماذج ومقطوعات من شعره الحكمي) 3 – 3

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى