صفيح المنطقة الساخن

صفيح المنطقة الساخن
بقلم : عبدالرحمن مراد
الجمعة 30 يناير 2026-
بدأت الحشود والترتيبات الأمريكية تعلن عن قادم غير مستقر في المنطقة، فهناك ترتيبات للعدوان على إيران لكن بتكتيك صهيوني أمريكي ,إذ يسبقه مهاد نفسي , وتنمية لمشاعر الغضب ضد النظام الايراني , فالحرب الناعمة لم يخمد أوارها في ايران فما زالت مشتعلة , وإن بدا لنا سكون الشارع من الحركة , إلا أن النفوس تغلي وفي لحظة قد تنفجر موجة غضب عارمة لا تبقي ولا تذر , فالقوة التي حركت الشارع في لحظة غير متوقعه , هي ذاتها التي جعلت الشارع يذهب الى البيات في انتظار لحظة فارقة جديدة .
غاية اسرائيل من ضرب ايران هي القضاء على التهديدات التي تمثلها المفاعلات النووية والاسلحة الصاروخية المتطورة والمسيرات , واضعاف النظام الثوري الايراني أو القضاء عليه , وبما يقلل من فرص التأثير ,ويفسح المجال لإعادة تقسيم خارطة المنطقة على أسس عرقية , وطائفية , وثقافية , وبما يشرعن الوجود الصهيوني في فلسطين , فإسرائيل تخوض حرب وجود ,وغايتها تحقيق هذا الوجود ,وهي فكرة معلنة من قبل رئيس وزراء اسرائيل نتنياهو , أما أمريكا فغايتها بسط النفوذ السياسي والهيمنة الاقتصادية من أجل استدامة نظامها الدولي وتحقيق التوازن مع القوى الجديدة التي تهددها بالفناء , وتدير معركة دولية ناعمة في أماكن عديدة من جغرافيا العالم , وصلبة في غالب بقاع الكون , قد تكون فيها ظاهرة أو باطنة .
كل الرؤى تذهب اليوم الى القول : أن معركة خاطفة ستكون خلال أيام في المنطقة , هذا العدوان تسعى من خلاله أمريكا وإسرائيل إلى الحد من فاعلية ايران في المنطقة ,والقضاء على مصدر التهديد حسب زعمها, وتعيد ترتيب نسق العلاقات بما يتسق ومصالح اسرائيل وامريكا , لكن المعركة سوف تترك ظلالا معتما على المنطقة في العلاقات الجيوسياسية , وظلالا على البعد الاقتصادي , وقد أدركت السعودية خطورة الموقف ,ولذلك سارعت الى اعلان رفضها للنوايا الامريكية , ورفضت استخدام اجواءها ,ربما خوفا من الرد الايراني الذي أعلنوه سابقا ,وهو استهداف المصالح الامريكية , وربما لحسابات سياسية تخص حركة التوازنات والصراع على مركزيتها في المنطقة بعد بروز ذبابة أزعج طنينها أنف ابن سلمان , من خلال التحركات التي تتتبع ابن سلمان في باكستان والهند , وفي بعض دول الاقليم .
يبدو أن ابن زايد مد جناحه ,ووجد في حركة الاضطرابات التي يمولها ويرعاها في المنطقة –لهدف وظيفي منذ توارت قطر عن القيام بذات الدور زمن الربيع العربي , واستلمت الراية من بعدها الامارات لتحدث الانقسامات – وجد مادة يشغل بها وقته بعد أن أصبح يعاني الفراغ أو يحاصره , فلا قضايا اجتماعية , ولا قضايا اقتصادية , ولا مشاغل تنمية , فالشركات كفته مثل ذلك الانشغال , لذلك ذهب الى انشاء وزارة للسعادة تختص بترتيب وبناء جسور السعادة , ووزارة الاسرة , فالفراغ مفسدة وأي مفسدة , وحين كلف بتمويل فصائل الانقسامات في اليمن , وفي السودان , وفي ليبيا , وذهب الى الجزائر وفشل , وجد نفسه يعمل , وحين عمل شعر بطول قرنه فأراد أن يناطح السعودية في الهند وفي باكستان , وكانت تحركاته ونشاطاته دالة على التنافس بينه وبين السعودية , ولا نقول أن نشاط ابن زايد عفويا بل وظيفيا ، فهو يأتي ضمن حالة الضغط الذي تمارسه اسرائيل على السعودية بسبب رفضها فكرة التطبيع حتى الان , باعتبار التطبيع مع السعودية سيفرض واقعا جديدا يختصر الكثير من الابعاد والمسافات لكون السعودية هي مركز العالم الاسلامي وتشرف على مكة والمدينة .
حركة التوازن السياسي في المنطقة لا يمكننا فصله عن حركة التوازن الدولي بين الدول التي تتبنى فكرة عالم متعدد الأقطاب , وتخوض حربا ضروسا في منطقة القرم وأوكرانيا , وما حدث في فنزويلا مؤخرا , فالحالة الهستيرية التي تتعامل بها أمريكا مع العالم وتحولها الى شرطي عالمي في تجاوز واضح وصريح للقانون الدولي، دالة على الخوف من فقدان مفردات السيطرة على العالم الذي بدأ يتململ ويعلن رفضه لتلك السياسات التي تمارسها أمريكا ومن خلفها الصهيونية العالمية , والعجيب أن ما حدث في فنزويلا سابقة خطيرة , كان الاجدر بالدول أن تحولها الى قضية عالمية تهدد الأمن والسلم العالميين لكن خضوع العالم لمثل تلك الممارسات ومقابلتها بإدانة لا ترقى الى مستوى الحدث ينذر بكارثة كونية قادمة , قد تكون حربا عالمية ثالثة .
المنطقة العربية والإسلامية تعيش اليوم على صفيح ساخن فالحشد للبارجات والسفن الحربية وتحويل المنطقة الى نقطة توتر بعد حالة الاضطرابات الأمنية والعسكرية سوف يجعل المنطقة لقمة سائغة للغرب ولأمريكا ومن وراء أولئك الصهيونية العالمية , ومن المعيب في حق الدول العربية والإسلامية الوقوف أمام ما يحدث موقف المتفرج , فهم في دائرة الاستهداف , فالمنطقة العربية معرضة للتقسيم والتجزئة , واعادة البناء على أسس جديدة ثقافيا واجتماعيا هذه الأسس منطلقها الفكري قيم الحداثة الاجتماعية , القائمة على فردية المصالح , وتدمير القيم والتطبيقات الاجتماعية التقليدية مما يعرضها للانهيار النفسي والثقافي والاجتماعي , فالعولمة تيار جارف في عصرنا بعد شيوع التطبيقات الاجتماعية والانفتاح الكوني على الثقافات , وقد سارعت بعض الدول مثل روسيا والصين الى التفاعل مع المستجدات وانشأت مؤسسات للأمن الثقافي القومي , ولم يستفد العرب والمسلمون من تلك التجارب بل لم يفكروا بها مطلقا , ولعل قابل الاعوام والسنين سوف يكشف حجم الكارثة التي هم فيها وسببها التفريط ,وحينئذ سوف يندمون ولات حين ندم .
اقرأ أيضا: طهران توكد جاهزيتها لحماية مصالحها الوطنية
اقرأ أيضا: بعد الاعتداء عليها.. إلهان عمر تتحدى ترامب وتصفه بالمحرض الصغير




