نسبية التاريخ: قراءة في مقولة التاريخ يكتبه المنتصر

نسبية التاريخ: قراءة في مقولة التاريخ يكتبه المنتصر
د. رياض الصفواني
السبت 24 يناير 2026-
تنسب بعض الكتابات مقولة” التاريخ يكتبه المنتصر” إلى رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل (١٩٤٠ – ١٩٤٥م)، ولأننا لا نعلم على وجه الدقة صحة نسبة المقولة إلى تشرشل فسنفترض أنه هو من قالها، وفي هذه الحالة فإن خروج بريطانيا منتصرة في الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥م وانتصارها قبل ذلك في الحرب العالمية الأولى ١٩١٨م يعني أنها وحلفاءها كتبت التاريخ بعقلية المنتصر، ومن ثم والحال هذه فهو تاريخ مزور، ويتطلب نقد وغربلة وتصحيح، بل إنه لا يعد تاريخاً في الأساس إذا نظرنا إليه من زاوية تعميمية شمولية، وهي نظرة غير واقعية وغير علمية بالتأكيد.
وهذا يقودنا إلى تساؤل مفاده: هل نسلّم بمقولة ” التاريخ يكتبه المنتصر” على إطلاقها، وننسف في ضوئها التاريخ البشري برمته كوجود وعلم من العلوم الإنسانية، وننفي من ناحية أخرى إمكانية أن يكون هناك تاريخ آخر كتبه مؤرخ غير مسيّس أو كُتِب خارج هيمنة المنتصر، وهو ما يمكن أن ينتمي إلى التاريخ الشعبي المكتوب، علاوة على التاريخ الشعبي الشفهي، والتاريخ الذي يمكن استنطاقه من بين ثنايا كتابات أخرى كالكتابات الأدبية، وكتابات الاجتماع والجغرافيا والاقتصاد والفلسفة والشريعة، وما توافر من أدبيات أخرى تشكل جميعها قنوات وروافد تصب في مجرى الكتابة التاريخية وتساهم في صياغة النص التاريخي من وجوه مختلفة وبمستويات معينة، مستعينة بالمنهج التاريخي المعروف لأهل الاختصاص، وهو المنهج الذي نما وتقنن في أوروبا القرن ١٩م، بعد أن بذر بذوره الأولى ابن خلدون في مقدمته الشهيرة قبل أربعة قرون من ذلك التاريخ (أي قبل الـ ١٩م)، وأكسب التاريخ صفته وهويته العلمية.
صحيح أن مساحة واسعة من الكتابات التاريخية قد اصطبغت بصبغة سياسية، بسبب غلبة السياسي على التاريخي والثقافي والفكري والاجتماعي والاقتصاد والعسكري في واقع الدول والمجتمعات التاريخية، لكن ذلك لا ينفي أن ثمة مدونات تاريخية تنطوي على نسبة من الموضوعية والواقعية، كتبها مؤرخون من خارج المؤسسة السياسية والأيديولوجية الحاكمة، بل وحتى من مؤرخين من داخل المؤسسة السياسية، وذلك إذا ما أعملنا العقل المنهجي في التاريخ السياسي المدوّن، واستخلصنا من بين ثنايا وقائعه وسطوره ما يقارب حقيقة الصورة التاريخية، هذا إذا لم نجد من بين ثنايا بعض تلك السطور ملامح واضحة لصورة تاريخية لا تستدعي القراءة الضمنية أو التأويلية، ولعل بالإمكان إذا ما أردنا التدقيق في ضبط العبارة والتحرز من التعبيرات والاصطلاحات الحدية أن نقول مثلاً: إن كتابة التاريخ يهيمن عليها المنتصر، أو تغلب عليها ثقافة المنتصر بنسبة قد تكون عالية – ما يعد بحد ذاته اقراراً بشوائب الكتابة التاريخية السياسية أو المسيسة – وذلك خير من القول بأن التاريخ يكتبه المنتصر على إطلاق اللفظ، ليغدو كل التاريخ الإنساني مزوراً، بما في ذلك تاريخ عصر النبوة وصدر الإسلام، وتواريخ الثورات العالمية الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ العالمي، كالثورة الفرنسية ١٧٨٩م والثورة البلشفية ١٩١٧م، وكالثورات القطرية والوطنية بما فيها ثورة ٢٦ سبتمبر وثورة ١٤ أكتوبر وغيرها الكثير، لأن المقولة على إطلاقها وعموميتها تشي بحكم قطعي حَدِّي، لا مراجعة فيه ولا استئناف، والمعلوم بالتواتر أن المعرفة التاريخية هي معرفة مقارباتية نسبية، ونسبيتها لا تتحدد برقم مئوي، وأن للحقيقة التاريخية وجوهاً متعددة وطرائق ووسائل تعبيرية متباينة.
ومادام أن مقولة ” التاريخ يكتبه المنتصر” مقولة نسبية، فإن جزءاً من الحقيقة التاريخية يتوفر بنسب متفاوتة لدى مؤرخي الجانب المنتصر، وذلك في ثنايا الكم الكبير من المبالغات والحشو والتضخيم والتمجيد للحاكم، والإشادة بسياساته ومواقفه وأدواره، وتخليد مقولاته وانجازاته ومآثره، وفي الوقت ذاته سنجد مؤرخين على قدر من الصدق الواقعي، عاصروا الحدث التاريخي وبعضهم انخرط فيه، ودونوه كشهود عيان، غايتهم التوثيق للواقعة التاريخية دونما تصنع، وبمعزل عن المصلحة المتعينة من السلطوي، وبعيداً عن إغراءاته وضغوطه، وإن بقيت كتاباتهم على سجيتها وبساطة منهجيتها كـ (حوليات تاريخية) حبيسة خزائنهم وضمن أصول محفوظاتهم ومقتنياتهم الخاصة، لكنها مع ذلك تبقى تاريخ (مخفي) أو مضمر حتى حين، ولن يطويه النسيان والإهمال مع تحاقب الزمن وتبدل الأحوال وتعاقب السلطات .
الخلاصة، مثلما أن الحقيقة التاريخية حقيقة نسبية بالضرورة، فإن مقولة: التاريخ يكتبه المنتصر هي نسبية أيضاً.
اقرا أيضا للكاتب: العلمانية: فهم المشترك والتحديات في السياق اليمني





