غيوم حول الثورة الدستورية

غيوم حول الثورة الدستورية
- أمين الجبر
الجمعة 29 أغسطس 2025_
التاريخ ليس مجرد سرد سردي أو نص منطوق يمكن ترويضه ليتلاءم مع رؤانا أو مصالحنا الشخصية؛ بل هو كيان حي يصوغ نفسه باستمرار ضمن سياق القوى والعلاقات الاجتماعية التي تنتجه. ورغم أن البشر هم صناع الأحداث، إلا أننا، كمؤرخين، لا نتجاوز دور المدونين والمفسرين لما حدث، ضمن حدود إمكانياتنا المعرفية وذواتنا النفسية والاجتماعية التي لا تخلو من هوى وتحيز.
هنا تنشأ معضلة الحقيقة التاريخية التي تظل نسبية، حيث يختلط الذات بالموضوع. فالذات—بوصفها حامل التوجهات والأهواء والنزعات—تصادر أحياناً موضوعية العرض، بينما الموضوع التاريخي، بعيداً عن كونه مجرد وقائع خشبية، يصبح قابلاً لشتى أشكال التوظيف والتأويل والتزييف، وهذه الظاهرة ليست من قبيل الصدفة بل هي إحدى أدوات الصراع السياسي والثقافي.
في منطقتنا العربية والإسلامية، تبرز هذه المشكلة في أوجها من خلال التاريخ الرسمي الذي غالبًا ما يُكتَب على يد المنتصرين، حيث يُصوَّر المنتصر كبطل مسحور بنصوص دينية تقدس فعله وتحول انتصاره إلى مشيئة إلهية، بينما يُشيَطن المهزوم، ويُطَرح على أنه التجسيد المطلق للباطل والشر. هذه الدراما ليست فقط سرداً تاريخياً، بل هي أداء معرفي-سياسي يخدم سيطرة معينة عبر إضفاء القداسة على الخطاب الرسمي وإدانة المعارض.
وهنا تكمن جدلية التوظيف وتوظيف المضاد في كتابة التاريخ. إذ تظل صياغة تأريخ موضوعي وراقٍ في بلداننا العربية مشروعًا محفوفًا بالمخاطر والمغامرات، يواجه فيه المؤرخ خطر الهامشية أو التشويه أو حتى القمع.
من هذا المنطلق، يأتي كتاب “غيوم حول الثورة الدستورية” لزيد بن علي الوزير، هدية فكرية قيمة، كمحاولة جادة لكسر هذا النمط التعصبي في الكتابة التاريخية، من خلال تأريخ الثورة الدستورية بتجرد واضح من الأيديولوجيات الرسمية والمعارضة على حد سواء. هذه الدراسات التي ترفض الأسلمة الأيديولوجية للتاريخ تعيد طرح أسئلة جذرية مهمة، وتفتح نافذة نقدية على ما كنا نعتقده مسلمات لا شائبة فيها.
ورغم إعادة قراءتي المتأنية للكتاب وعودة متكررة إليه، تظل لدي تساؤلات ملحّة: هل نحن، كمعنيين بكتابة التاريخ، نملك الشجاعة الفكرية الكافية لإعادة قراءة تاريخنا برؤية نقدية تتجاوز صنمية الخطابات الرسمية، ومطلقات الأيديولوجيات المعارضة، لنصل إلى ضفاف الموضوعية التاريخية؟ أم سيظل التاريخ رهينة توصيفات غير متناهية، تسطّرها نزعات ذاتية وأهواء سياسية؟
إذً أن إعادة قراءة التاريخ ليست رفاهية فكرية، بل ضرورة سياسية واستراتيجية حيوية لطالبي الحقيقة والإنصاف، وهوسها لا يعني هدم الماضي، بل تحريره من قبضة القداسة الزائفة وفهمه كركيزة أساسية لبناء حاضر ومستقبل يتحرر من أدران الهيمنة ويعترف بتعددية التجارب والخبرات.