كتابات فكرية

في الذكرى الخامسة لرحيل  القاضي النبيل  والعالم المكتمل محمد بن محمد الواسعي

 في الذكرى الخامسة لرحيل  القاضي النبيل  والعالم المكتمل محمد بن محمد الواسعي

  • أمين الجبر

الثلاثاء15يوليو2025_

إذا انسابتْ أسماءُ الفضيلةِ على الألسن، وتهادتْ سيرُ العُظماء بين القلوب، فإن اسم القاضي محمد محمد الواسعي طيب الله ثراه، سيظلُّ نجماً يتلألأ في سماء المكارم، وعَلَماً يُشار إليه بالبنان. فكلُّ من عَرَفه ذَكَرَه بِحُسنٍ، وكلُّ من جالسه خَضَعَ لِهيبةِ أدبه، وَوَقارِ عِلمه، وَطُهرِ روحه. كان ـ رحمه الله ـ يُحيطُ مَنْ حوله بِهالةٍ من الوقار، كأنما يُذكِّرُهم بِسَمْتِ الأولياء، وَزُهدِ الحُكماء. 

لقد جسَّدَ بحياته النقية، وسيرته العطرة، صورةَ العالمِ الزاهدِ، والقاضي العادلِ، والمصلحِ الحكيم. فَصَرَفَ وَقْتَه بين الوعظِ الحكيم، والإصلاحِ الرشيد، والتنويرِ الهادئ، مؤمناً بأنَّ كلمةَ الحقِّ تُصلحُ النفوسَ، وتُهذِّبُ العقولَ، وتَردَعُ عن الغلوِّ والانحراف. وكان ـ إلى جانبِ نبلهِ وَرِفْعَةِ أخلاقه ـ عَلَماً في الاعتدالِ، بَحْراً في العِلمِ، ضليعاً في الأصولِ الشرعيةِ، رصيناً في المواقفِ، عاقلاً في الطرحِ. فَاجْتَمَعَ له من المكارمِ ما جَعَلَ القلوبَ تَئِنُّ له إجلالاً، والعيونَ تَرْفَعُ إليه نظراتِ التقديرِ. 

ميلادُ عَلَمٍ.. ونشأةُ مُصلحٍ. 

وُلِدَ القاضي محمد الواسعي عام 1355هـ – 1936م، في قرية القحقحة  بمديرية جبل الشرق، محافظة ذمار، حيثُ نَشَأَ في أحضانِ بيئةٍ علميةٍ تقليديةٍ، تَشَبَّعَ فيها بِالعِلمِ الدينيِّ الأوليِّ، وَتَلَقَّفَ مبادئَ المعرفةِ في كنفِ أسرةٍ عريقةٍ توارثتْ حَمْلَ لواءِ العِلمِ والدعوة. فكان والده ـ رحمه الله ـ مِن أبرزِ عُلماءِ زمانه، فَشُقَّ له طريقُ العِلمِ مُبكراً، ثمَّ ارتحلَ إلى صنعاء، فَدَرَسَ في المدرسة العلمية، وتَلقَّى العِلمَ في الجامع الكبير، حتى نالَ إجازاتٍ علميةً كانتْ في عصرِه بمثابةِ الشهاداتِ العُليا. وتَتلْمَذَ على يدِ كبارِ المشايخ، أبرزهم القاضي أحمد عبدالرحمن محبوب (الصفي محبوب)، حتى صارَ نِتاجاً لخلاصةِ عِلمِ جيلٍ كاملٍ. 

مسيرةُ عطاءٍ.. بين القضاءِ والإصلاحِ. 

ابتدأَ مسيرتَه الوظيفيةَ مُشرفاً على الأوقاف في ناحية جبل الشرق، فَأَبدى كفاءةً نادرةً، حتى صارَ عَلَماً في هذا المجال، يُضربُ به المثلُ في الإتقانِ. ثمَّ انتقلَ إلى وزارة الأوقاف في صنعاء أثناءَ أحداثِ الحربِ التي أعقبتْ ثورةَ 26 سبتمبر، حيثُ تميَّزَ بالنزاهةِ والكفاءةِ، حتى إذا أشرقتْ شمسُ السلامِ بعد المصالحةِ الوطنيةِ، عادَ إلى مديريتهِ حاملاً تكليفاً رسمياً لشَغْلِ ثلاثِ مهامٍ في آنٍ واحدٍ: قائمًا بأعمال المحكمة، وقائمًا بأعمال إدارة الناحية، ومسؤولًا عن الأوقاف. فكان ـ بحكمتهِ وعدلهِ ـ الشخصيةَ الوحيدةَ التي حَظيتْ بِقبولِ الجميع، وَثقتِهم المطلقة. 

ولم يقتصرْ عطاؤه على العملِ الرسميِّ، بل كانَ رائداً في دعمِ التعليمِ الحديثِ، فأسَّسَ معهد السلام (مدرسة السلام)، واستعانَ بالمدرسينَ العربِ، ليُقدِّمَ نموذجاً فذاً للتربويِّ المخلصِ. 

عالمٌ خطيبٌ.. وقاضٍ مُصلحٌ.

ظلَّ ـ رحمه الله ـ على مدى 62 عاماً خطيباً مُفوَّهاً في الجامع الكبير بالجمعة، مركز المديرية، ثمَّ انتقلَ في آخر سني عمره إلى جامع الفتح بالجلحاف، فَظلَّتْ كلماتُه تَهزُّ النفوسَ، وتُحيي القلوبَ، رغمَ إيجازها، إلا أنها كانتْ تَحملُ عُمقَ الحكمةِ، وَصِدْقَ التوجيهِ. 

أمّا في مجالِ القضاءِ والعِلمِ، فكانَ مجلسُه منارةً للحوارِ والدرسِ، وَمكتبتُه زاخرةً بكنوزِ الكتبِ، لاسيما كتبَ الفكرِ الهادويِّ (الزيدي)، التي كانتْ مَرجعيَّتَه في الفتاوى والمواعظ. كما برعَ في تقسيم المواريث، حتى ذاعَ صيتُه خارجَ حدودِ مديريتِه، فكانَ مرجعاً يُؤتمنُ على الحلالِ والحرامِ. 

رحيلُ الجسدِ.. وبقاءُ العِلمِ.

فقدَتْ الأمَّةُ برحيلِه عَلَماً من أعلامِ الورعِ، وَمَعلَماً من معالمِ النزاهةِ، تاركاً خلفَهُ سيرةً تُدرَّسُ، وَمَجداً يُحكى. فكان ـ بحقٍ ـ ظاهرةً فقهيةً راشدةً، وَأنموذجاً للإنسانِ الكاملِ في زمنٍ قلَّ فيهِ الرجالُ. 

اللهمَّ اغفرْ له، وارفعْ درجتَه في المهديين، واخلفْ على أهلهِ وذويهِ  ومحبيه  خيرَ العزاءِ، وأجرَ الصبرِ.

 اقرأ أيضا:الأستاذ عبد العزيز البغدادي يكتب لصوت الشورى عن التجهيل واستغلال القبيلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى