هل تقترب واشنطن من ضرب إيران؟ قراءة في الانقسام الأمريكي وسيناريوهات المواجهة

هل تقترب واشنطن من ضرب إيران؟ قراءة في الانقسام الأمريكي وسيناريوهات المواجهة
بقلم د: عبدالرحمن المؤلف
الخميس 15 يناير 2026-
منذ أسابيع، يعود السؤال القديم – الجديد إلى الواجهة بقوة: هل تتجه الولايات المتحدة الأمريكية نحو ضربة عسكرية مباشرة ضد إيران؟
السؤال لا يُطرح اليوم في فراغ، بل في سياق إقليمي ودولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع الانقسامات السياسية داخل واشنطن، ومع متغيرات ميدانية تمتد من غزة إلى البحر الأحمر، ومن أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي.
انقسام داخل واشنطن: قرار بلا إجماع
اللافت في المشهد الأمريكي الحالي هو غياب الإجماع داخل الإدارة والنخبة السياسية حول خيار الحرب. التيار اليميني المحافظ والإنجيليون الجدد يدفعون بقوة نحو عمل عسكري، معتبرين أن اللحظة مؤاتية لتوجيه ضربة “حاسمة” لإيران، سواء لحماية إسرائيل أو لإعادة فرض الردع الأمريكي المتآكل.
في المقابل، يقف تيار “أمريكا أولًا”، إلى جانب قطاعات واسعة من البنتاغون، موقفًا أكثر حذرًا، محذرين من الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة لا يمكن التحكم بمآلاتها، وقد تستنزف الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
تحركات ميدانية… رسائل ضغط لا قرار حرب
إجلاء جزئي للقوات الأمريكية من بعض القواعد، خاصة في الخليج، يقابله في الوقت نفسه حشد بحري لافت: غواصة نووية، حاملات طائرات، ومدمرات متقدمة.
هذه الازدواجية لا تعني بالضرورة قرارًا بالحرب، بقدر ما تعكس سياسة الضغط القصوى المدروسة، حيث تستخدم واشنطن القوة العسكرية كأداة ردع وابتزاز سياسي، لا كخيار نهائي محسوم.
سلوك الغرب: تحوّط لا إعلان مواجهة
دعوات بعض الدول الغربية لرعاياها بمغادرة إيران، وإغلاق بريطانيا لسفارتها في طهران، تُقرأ في إطار التحوّط الأمني وليس كإشارة قاطعة إلى قرب الضربة. التجربة التاريخية تُظهر أن هذه الإجراءات غالبًا ما تسبق فترات توتر حاد، لكنها لا تعني تلقائيًا اندلاع حرب شاملة.
طبيعة الضربة المحتملة: استراتيجية أم تكتيكية؟
الحديث عن حرب استراتيجية لإسقاط النظام الإيراني، يتطلب قراءة واقعية:
إيران ليست العراق عام 2003، ولا ليبيا 2011. أي محاولة لإسقاط النظام بالقوة ستعني حربًا طويلة، مع احتمالية انزلاق إلى غزو بري، وهو سيناريو ترفضه المؤسسة العسكرية الأمريكية عمليًا.
الأقرب هو خيار الضربة التكتيكية المحدودة: استهداف قدرات نوعية، إرسال رسالة ردع، وإضعاف النظام دون إسقاطه، بالتوازي مع دعم ضغوط داخلية واقتصادية وإعلامية.
بنك الأهداف: ما الذي قد يُضرب؟
في حال اتخاذ قرار بالتصعيد، فإن بنك الأهداف الأمريكي المحتمل يشمل:
منشآت للحرس الثوري ذات طابع عملياتي
مراكز سيطرة واتصال
بنى تحتية صاروخية أو مسيّرات
أهداف سيبرانية واستخباراتية
استهداف القيادات السياسية العليا يظل خيارًا عالي المخاطر، وقد يفتح باب ردود غير محسوبة.
تعاون دولي… لكن بلا إجماع
التعاون الاستخباراتي بين واشنطن والاحتلال الصهيوني قائم فعليًا، وقد يمتد لوجستيًا إلى بعض الدول الغربية. أما الدول العربية، فستبقى – على الأرجح – في موقع الدعم غير المباشر أو الحياد الحذر، خشية تحوّل أراضيها إلى ساحات رد إيراني.
حرب شاملة أم حرب مركّبة؟
الأرجح أن أي مواجهة لن تكون عسكرية تقليدية فقط، بل حربًا هجينة تشمل:
ضغطًا اقتصاديًا على إيران وشركائها
هجمات سيبرانية متبادلة
عمليات استخباراتية سرية
تصعيدًا عسكريًا محدودًا عبر الوكلاء
هذا النموذج يسمح لواشنطن بالضغط دون تحمّل كلفة الحرب الشاملة.
السيناريوهات المحتملة
ردع بلا حرب: استمرار الحشود والتهديدات دون ضربة مباشرة.
ضربة محدودة محسوبة: عملية عسكرية قصيرة بأهداف دقيقة.
تصعيد متدرج عبر الوكلاء: توسيع ساحات الاشتباك دون مواجهة مباشرة.
انفجار غير مقصود: خطأ في الحسابات يقود إلى مواجهة أوسع من المخطط لها.
خلاصة
واشنطن لا تبحث اليوم عن حرب كبرى مع إيران، لكنها لا تتردد في استخدام شبح الحرب كأداة سياسية. القرار الأمريكي، إن اتُخذ، سيكون محكومًا بسقف ضبط التصعيد لا كسره.
في المقابل، تدرك طهران أن الصمود وحده لا يكفي، وأن إدارة الصراع بذكاء – لا بردود انفعالية – هو ما سيحدد شكل المرحلة المقبلة في واحدة من أخطر لحظات الشرق الأوسط.
المصادر والمراجع:
تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (Pentagon Briefings)
مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)
معهد بروكينغز – ملفات إيران والشرق الأوسط
تصريحات رسمية للبيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية
تحليلات Foreign Affairs وThe Guardian وHaaretz
اقرأ أيضا: جماعة كوملة ذراع واشنطن وتل أبيب في أعمال الشغب بإيران.. فمن هي هذه الجماعة التخريبية؟




