موجهات الحرب .. والسيناريوهات المستقبلية المحتملة

موجهات الحرب .. والسيناريوهات المستقبلية المحتملة
- أمين الجبر
الجمعة 10 أبريل 2026-
“أرى بين الرماد وميض جمر.. ويوشك أن يكون له ضرام
وان النار بالعودين تذكى.. وان الحرب مبدؤها كلام”
هكذا قالت العرب في حكمتها الخالدة عن طبيعة الحرب ومسبباتها، وهو ما يعني أن الحرب لا تنشب إلا بعد مقدمات كلامية وإرهاصات موضوعية تنضجها الظروف المواتية، وتتحكم في بوصلة مساراتها سيناريوهات استراتيجية؛ إما ان كانت تلك الاستراتيجيات داعمه ومدركة لحيثيات المعركة وأين تكمن نقاط القوة والضعف فتحقق النصر، أو انها تقود الى الهزيمة الساحقة إذا ما تخبطت في التخطيط وضاعت منها الأهداف الواضحة.
وربما أنه قد غاب عن الوعي السياسي/العسكري العربي، في زحمة الحماس ونشوة الاعتداد، مآلات ما بعد الحرب وما يراد به من سيناريوهات محتملة قد يخطط لها العدو كجزء لا يتجزأ من استراتيجية المعركة ذاتها.
يغيب هذا البعد الاستراتيجي خصوصا إذا لم يحقق العدو انتصار حاسم شبيه بما جرى في الحرب الامريكية الاسرائيلية ضد إيران، تلك الحرب التي يمكن وصفها بدقة بأنها حرب إرادات بامتياز.
ففي هذه الحرب لم تحقق امريكا نصرا حاسما يذكر برغم خسارتها المادية الباهضة التي أرهقت خزينتها وزلزلت تحالفاتها، وكذلك إيران لم تهزم هزيمة ساحقة تدفعها للاستسلام ورفع الرايات البيضاء، برغم تدمير بنيتها التحتية الحيوية وما كلفتها الحرب من خسائر مادية فادحة جعلت اقتصادها ينزف دما.
وإذا كان للقوة التكنولوجية الخارقة دور محوري في التحكم بمسارات الحرب ورسم مآلاتها الميدانية، إلا ان العامل الحاسم في نتيجتها النهائية قد يكمن في جوهر آخر أعمق: قوة العقيدة القتالية، وتلك المعنوية العالية التي تبعثها في النفوس جودة التعبئة العامة، وتصنعها صلابة الجند في الميدان، وتحفزها كارزمية القادة في لحظات الخطر. هذا هو رأس المال الإستراتيجي الذي أبدته إيران رغم الكلفة الباهضة، وهو العنصر الذي افتقرت اليه امريكا واسرائيل رغم تفوقهما التكنولوجي وقوة الترسانة العسكرية، لأن قوة السلاح لا تصنع وحدها النصر إذا غابت عنها إرادة القتال والتضحية.
ومن هنا يمكن لنا قراءة المشهد بعيون فاحصة، والتنبؤ بسيناريوهات مستقبلية محتملة وواردة. فبعد إعلان توقيف الحرب لمدة اسبوعين واستئناف المفاوضات بين الطرفين في إسلام أباد بباكستان، وهو الإعلان الذي يؤكد أن الطرفين كانا لهما نفس الرغبة العميقة في وقف الحرب بشكل هدنة مزمنة بأسبوعين، لربما من أجل ترتيب الأوضاع واستراحة محارب، أو ان هناك صفقات كبرى أبرمت بين الجانبين بشكل سري عبر وسيط ثالث في غرف مقفلة بعيدا عن ضجيج الإعلام. هذه المعطيات تجعل توقع سيناريوهات محتملة أمرا ممكنا ومفتوحا أمام المحللين والخبراء، لا سيما وان الهدنة الحالية هي بمثابة “عين الإعصار” التي تسبق العاصفة أو تنهيها.
لماذا لم نتوقع ان امريكا واسرائيل أبرمت الصفقة ووافقتا على الهدنة بغية التخطيط لسيناريوهات اخرى محتملة وأكثر التواءا بعد تعذر تحقيق أهدافهما المعلنة في إسقاط النظام الإيراني أو نزع سلاحه النووي بالكامل؟
السيناريو الاول: استراتيجية فصل الساحات وعزل إيران عن حلفائها.
وهو السيناريو الأكثر حضورا وخطورة. يقوم هذا السيناريو على عزل إيران عن بقية الجبهات المشتعلة كحزب الله لبنان، والحشد الشعبي العراقي، وأنصار الله اليمن، والتفرد بكل جبهة على حدة وتطويعها أو ابتلاعها. وهو بالضبط ما دشنته اسرائيل في عدوانها الغاشم والمكثف على لبنان عشية إعلان الهدنة ووقف الحرب، وكأنها تريد أن تقول للعالم: “اتفقنا على إيران فقط، أما حلفاؤها فهم لقمة سائغة على مائدة السيف”. وهنا يتبادر الى الذهن سؤال جوهري حارق: هل ستقبل إيران مرغمة بهكذا سيناريو كأمر واقع وحتمي، وتكتفي بالشجب والادانة والتهديد الإعلامي كنوع من ذر الرماد في العيون وإسقاط واجب ليس غير؟
هل لازال بمقدورها الدفاع عن حلفائها الاستراتيجيين ورفض الهدنة المشروطة بشمول حلفائها حسب تأكيدها القاطع، رغم نفي الطرف الاخر الحاد لشمولية الحلفاء؟ أم انها وقعت في فخ “أنقذ نفسك” وتركت حلفائها لمصيرهم الغامض، وأكتفت بترتيب وضعيتها الداخلية المناسبة بانتظار ما ستسفر عنه الأيام؟
المؤشرات الأولية تقول ان طهران أمام اختبار وجودي لصدقيتها في قيادة محور المقاومة، فالتخلي عن حزب الله تحديدا يعني انكشاف خاصرة إيران الغربية بشكل إستراتيجي دائم.
السيناريو الثاني المحتمل: تغذية الحرب الثنائية العربية – الايرانية.
وهو السيناريو الذي يمثل الحلم الأمريكي الصريح منذ بداية الحرب. الدفع من كلا الطرفين بجعل الحرب ثنائية ايرانية/عربية بين إيران وحلفائها من جهة، وبين دول الخليج العربي وحلفائها من جهة اخرى. هذا ما يسعى اليه الرئيس الامريكي بشغف منذ بداية الحرب، وقد صرح به في أكثر من خطاب بصورة شبه معلنة، ملوحا بضرورة تشكيل “ناتو عربي” لمواجهة إيران. وهنا إذا ما تحقق هذا السيناريو الكارثي – لا قدر الله – فستكون الطامة الكبرى على المنطقة برمتها، وتخرج منها امريكا واسرائيل منتصرتين دون أن تخسرا جنديا واحدا في مستنقع حرب إقليمية، بينما سيكون العرب والإيرانيون هم الخاسر الأكبر ووقود هذه الحرب المدمرة. لكن يبدو أن ضربات إيران الموجعة والمؤثرة للبنى التحتية النفطية في الخليج، فضلا عن رسائلها الدبلوماسية الذكية، جعلت دول الخليج تدرك أن لا نجاة لها في ظل حرب لا تبقي ولا تذر، مما دفعها لسياسة “النأي بالنفس” الحذرة، وهو ما أفسد الى حد بعيد مخطط تقسيم المنطقة الى معسكرين متحاربين.
السيناريو الثالث المحتمل: الهدنة كجولة من جولات الحرب الطويلة.
هو ان امريكا واسرائيل فشلتا فشلا ذريعا في تحقيق أهدافهما العسكرية والسياسية، وهو ما حتم عليهما القبول بوقف الحرب الحالية باعتبارها مجرد جولة من جولات صراع طويل ومعقد.
الهدف من الهدنة هنا هو لترتيب الاوضاع الداخلية في امريكا واسرائيل، وترميم ما أمكن من صفوفهما، والاستعداد لجولة قادمة قد تكون أشد ضراوة وأكثر احترافية. وهذا السيناريو يتطلب من إيران ومحور المقاومة استنفارا دائما ووعيا إستراتيجيا للاستعداد للجولات القادمة. وليس ثمة خيار آخر غير خيار الصمود الأسطوري والمقاومة المتجددة مهما كلفهم الأمر، ففي ذلك حياة لقضيتهم ومستقبل لأوطانهم. وإن شاء الله النصر حليفهم على الدوام، طالما هم يحملون قضية محقة ويدافعون عن العرض والاوطان.
السيناريو الرابع المحتمل: الانتصار بالصور أو الحرب الافتراضية.
وهو سيناريو يتكشف مع تعثر كلا الطرفين عن تحقيق نصر حاسم على الأرض، قد يتجه كل طرف لصناعة “نصر افتراضي” في فضاء الإعلام والدعاية السياسية. بمعنى أن أمريكا ستعلن أنها دمرت قدرات إيران النووية وردعتها وهذا يكفي، بينما ستعلن إيران انها أجبرت أعتى قوة في العالم على الجلوس للتفاوض ووقف الحرب دون تحقيق أهدافها وهذا هو النصر بذاته.
هذا السيناريو يتيح للطرفين الخروج من المأزق بأقل الخسائر في ماء الوجه، لكنه يبقي جذوة الصراع تحت الرماد بانتظار شرارة قادمة.
كل السيناريوهات واردة ومحتملة، والكل أصبعه على الزناد، والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت الجسام، وسوف تثبت أو تنفي صوابية ما نتوقعه من سيناريوهات محتملة. لكن الأكيد ان من لا يقرأ ما بعد المعركة في صلب المعركة ذاتها، فهو يخوض الحرب بسيف من خشب وبصيرة عمياء. وكما قالت العرب: “وان الحرب مبدؤها كلام”، فلتكن الكلمة هنا هي الفهم العميق والاستعداد الدائم، لأن وميض الجمر تحت الرماد إن لم يحسن التعامل معه، فسيحول الأرض ضراما لا يبقي ولا يذر.




