كتابات فكرية

مقايضة السيادة بالتبعية: قراءة في سيكولوجيا “القرار المسلوب”

مقايضة السيادة بالتبعية: قراءة في سيكولوجيا “القرار المسلوب”

بقلم القاضي د. حسن حسين الرصابي

الاحد 11 يناير 2026-

في عالم السياسة، لا يُقاس القادة بمدى ضجيج شعاراتهم، بل بالقدرة على امتلاك “ناصية القرار”. لكن المشهد اليمني المعاصر بات يقدم لنا نماذج صارخة لما يمكن تسميته بـ “القائد المأمور”؛ ذلك الذي يتحرك بـ “الريموت كنترول” من عواصم الجوار، ويضحي برصيده الشعبي وسمعته الوطنية في سبيل الحفاظ على رضا “الكفيل” السياسي.

هروب التكتيك أم هروب التبعية؟

إن الحديث عن تراجع أو “هروب” بعض الشخصيات المحسوبة على مجلس القيادة أو المكونات السياسية في اللحظات الحرجة، لا يمكن تفسيره من منظور الخوف الشخصي على الحياة؛ فالموت في سبيل القضايا الكبرى هو أسمى أماني المناضلين. ولكن الحقيقة تكمن في مكان آخر تماماً: إنها “سلطة المعلومات” و “ارتهان الإرادة”.

عندما يتراجع القائد عن واجباته الوطنية في اللحظة التي يُنتظر منه فيها الثبات، فهو لا يهرب من خطر الموت، بل يهرب من خطر “الانكشاف”. فالجهات الخارجية التي تصنع هؤلاء القادة لا تخشى على حياتهم كأفراد، بل تخشى على “كنز الأسرار” الذي يحملونه، وتخاف من تعارض المصالح الذي قد يكشف المستور في أروقة السياسة الإقليمية.

الأجندات الخارجية وتفكيك الهوية

لقد حذرنا مراراً في مؤلفاتنا -لا سيما في دراستنا عن “الشرق الأوسط الجديد بأجندة صهيونية”- من أن الأدوات المحلية هي رأس الحربة في تنفيذ مشاريع التفكيك. والعميل، بطبعه، يبيع نفسه وكرامته ومستقبل شعبه في مقابل دور وظيفي مؤقت.

إن ما حدث أخيرا هو “بيع بالتقسيط” لسيادة الوطن وكرامة المواطن. فالقائد الذي لا يملك قرار مغادرته أو بقائه، ولا يجرؤ على مخالفة أوامر مموليه حتى وإن كانت على حساب شعبه، هو في الحقيقة قد حكم على نفسه بالسقوط التاريخي قبل أن يسقط ميدانياً.

سقوط الأقنعة: نموذج المجلس الانتقالي

إن الشعارات التي كان يرفعها المجلس الانتقالي الجنوبي ورئيسه عيدروس الزبيدي تبين أنها كانت محض افتراء و “ضحك على الذقون”؛ فهي مجرد خيوط في لعبة الممول الإماراتي. وحين حصحص الحق، لم ينمُ الفعل إلى مستوى الادعاء؛ فهرب “الزبيدي” تاركاً الحبل على الغارب، مخلفاً وراءه جثث جنوده تتعفن في أماكن مصارعهم. إنها فضائع السياسة التي انتهت بفضيحة الهروب مجهول الوجهة.

الخلاصة الوطنية

إن القضية الوطنية لا تحتمل “أنصاف الثوار” ولا “أشباه القادة”. فمن يحمل قضية عادلة يقاتل من أجلها حتى الرمق الأخير، أما من يحمل “أجندة ممولة” فإنه يؤثر الهروب بما يحمله من خزي وعار على المواجهة الصادقة.

ستظل الحقيقة ناصعة: “الارتهان للخارج هو انتحار سياسي معلن”، والتاريخ لا يرحم من فرّط في سيادة بلده في سبيل إرضاء الخارج.

 اقرأ أيضا: الوحدة اليمنية بين رأيين .. قراءة قانونية–سياسية في الانفصال، وتقرير المصير والحل الاتحادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى