كتابات فكرية

ما سبب الإخفاقات الحزبية في الأقطار العربية؟

ما سبب الإخفاقات الحزبية في الأقطار العربية؟

 الإخفاقات الحزبية في الأقطار العربية: واقع مؤلم وآفاق مظلمة

      د. رياض الصفواني

الثلاثاء 31 مارس 2026-

 التجربة الحزبية في الأقطار العربية ذات النظم الجمهورية تحديداً، منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي وحتى اليوم، رافقتها إخفاقات كثيرة على كل المستويات. بعض هذه الإخفاقات قد يعود إلى البرامج التي لم تلتحم بالواقع المستهدَف تغييره، وخاصة الأحزاب الوافدة من الغرب، وهي أحزاب شهدت حراكاً بلغ مستويات متقدمة من النضج في بيئاتها، قياساً على حالتها في البيئة العربية، وكأن مستورديها انطلقوا من مسلَّمة أنها أيديولوجيات صالحة لكل زمان ومكان. ولعل ذلك يرجع إلى عدم فهم طبيعة الواقع بصورة عميقة، وعدم الإحاطة بخارطة تفاصيله العامة، فلم يتحقق الانسجام بين التنظير والتطبيق. وقد تعود بعض الأسباب من ناحية ثانية إلى خصائص بعض القابعين في أعلى الهرم الحزبي وسلوكهم غير المكافئ للشروط والمواصفات التي ينبغي أن تتوفر في من يشغل موقع قيادي في الحزب. ولهذا، كانت الفجوة ولا تزال قائمة بين القيادات الحزبية والقواعد من ناحية، وبين برامج الحزب بشقيها النظري والعملي من ناحية ثانية، ثم بين الجماهير من ناحية ثالثة.

ولأن المُفتَرض بالمسألة الحزبية أن تندمج بالواقع، بهدف إصلاحه والنهوض به، سواء من خلال السلطة أو عن طريق المعارضة، فإن ذلك لم يتحقق بالصورة التي كانت تطمح إليها الجماهير العربية التوَّاقة إلى التغيير، وذلك للأسباب المشار إليها آنفاً وغيرها. ومن ثم، كان التناقض هو الغالب على الجانبين: التنظيري والعملي في واقع الممارسة.

 في هذا السياق، لم تخرج التجربة الحزبية في اليمن عن هذا الإطار، إن لم تكن قد فاقت نظيراتها في الأقطار العربية، وها هو الواقع يشهد على كثافة الإخفاقات التي مُنيت بها المسألة الحزبية في اليمن. فعلى المستوى الاجتماعي، وهو أُس القضية، لم يلمس السواد الأعظم من الناس أي تحسن في أوضاعهم الاقتصادية والحقوقية، بل لقد سُلبت منهم بديهيات حقوقهم، وبدا أن النخب الحزبية تتسلى بمعاناتهم. كما أن انتشار الفساد السياسي داخل الأحزاب، والصراعات بين قياداتها، وسيطرة القيادات على القرارات الحزبية وعدم احترام الديمقراطية الداخلية، قد راكمَ الأزمات وقاد في نهاية المطاف إلى ما عُرف بثورات الربيع العربي التي استحالت خريفاً، بصرف النظر عن جدلية التسمية وفكرة المؤامرة في قناعة قيادات الأحزاب الحاكمة في تلك الدول، ولقد ذهبت هذه الإخفاقات بالبلاد إلى أبعد مما كنا نتصور ويتوقعه المراقب للشأن الداخلي العربي عامة واليمني على وجه الخصوص.

حقيقةً، أنا من الناس الذين تفتق وعيهم في تسعينيات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي على تجربة التعدد الحزبي في اليمن، وتملَّكني شعور حينها أن تعدد الأفكار وتنوعها وحتى تفاوتها سيرتقي بالبلاد، ويحقق لأبنائها ما يصبون إليه من عيش كريم، في سياق التنافس على تقديم الأفضل والأدوم، وهذا هو الأصل. لكني – وغيري كثير – أصبت لاحقاً بخيبة أمل، فلم تكن الأحزاب عند مستوى المسؤولية والأمانة والثقة الشعبية، ولم تترجم برامجها إلى أفعال، بل صارت جزءاً من المشهد الكارثي القائم وشريكة فيه مع غيرها من المكونات السياسية، بصرف النظر عما قيل ويقال لتبرير أفعالها وخذلانها للناس.

ومع ذلك، وبرغم الإخفاقات الحزبية، يجب ألا نفقد الأمل في إصلاح المسار السياسي عامةً. فالتغيير يبدأ بوعي الجماهير ومطالبتهم قيادات الأحزاب بالمساءلة والشفافية. كما يتطلب الأمر قيادات حزبية واعية ومسؤولة، تضع مصلحة الوطن والمواطن فوق كل اعتبار. ولعل المستقبل يحمل في طياته فرصة لإعادة بناء الأحزاب على أسس جديدة، تخدم مصالح الشعب وتسهم في بناء دولة قوية وعادلة.

اقرأ أيضا: يوميات البحث عن الحرية .. العالم بين جنون الفرد وجنون المؤسسة!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى