ما أكثر العِبَر… وما أقلّ المُعتَبِرين

ما أكثر العِبَر… وما أقلّ المُعتَبِرين
القضية الجنوبية بين عدالة الهدف وفشل الأدوات
بقلم/ حسن الدولة
الأربعاء 8 يناير 2026-
اعاد لي الفيسبوك ما نشرته في مثل هذا اليوم من عام 2017م ومفتتحه ان طفلا سأل والده عن معنى المقولة الخالدة: “ما أكثر العِبَر… وما أقلّ المُعتَبِرين”، فأجابه: ليست العِبرة يا بني في أن ترى الخطأ، بل في أن تتوقف عنه قبل أن يتحول إلى خسارة لا يمكن تعويضها. هذه الحكمة تختصر اليوم، وبمرارة شديدة، واقع المجلس الانتقالي، حيث تتساقط الرهانات السياسية واحدا تلو الآخر، وتنكشف حقيقة مشاريع قدمت للناس على أنها طريق الخلاص، فإذا بها تتحول إلى عبء ثقيل على القضية نفسها.
ما جرى مؤخرا، وما تم تداوله رسميا وإعلاميا بشأن هروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، وإحالته إلى النائب العام على ذمة قضايا جسيمة، لم يعد مجرد تطور سياسي عابر، بل لحظة كاشفة لسقوط مشروع سياسي كامل. فقد ثبت، وبما لا يدع مجالًا للشك، أن المجلس الانتقالي الجنوبي، ككيان سياسي وإداري، فشل في تقديم أي نموذج فعلي للدولة أو لإدارتها، وهو فشل لم يعد محل إنكار حتى لدى كثير من أنصاره، بغض النظر عن اختلاف مبرراتهم أو محاولاتهم تبرير ما آلت إليه الأوضاع.
ومن هذا المنطلق، فإن بقاء المجلس الانتقالي أو انتهاؤه لا يمثل بالنسبة لي قضية شخصية أو موقفًا انفعاليًا، ولا أظن أن ذلك يعني إلا من ارتبطت مصالحهم به أو استفادوا من وجوده. أما أنا، فلم أكن يومًا من المطبّلين له، بل كنت من أكثر منتقديه وقيادته، وهو موقف موثق ومعلن، لا يحتاج إلى إعادة تبرير أو مراجعة.
ما يهمنا اليوم، وما يجب أن يشغل كل ابناء المحافظات الجنوبية، هو القضية الجنوبية بعدالتها وعمقها الوطني وحيوية هدفها الجامع. المؤلم أن هذه القضية فشل المجلس الانتقالي الجنوبي في حملها سياسيا، وفشل في العبور بها نحو برّ الأمان، رغم الوعود الكثيرة التي أطلقها رئيسه لأتباعه وللشعب الجنوبي. وبدل أن تتحول القضية إلى مشروع وطني جامع، جرى اختزالها في كيان واحد، ثم تحولت تدريجيًا إلى أداة صراع نفوذ، وورقة ضغط إقليمية، وساحة لتصفية الحسابات.
وبقراءة المشهد الإقليمي، يبدو من المؤكد أن تركيبة المجلس الانتقالي وقيادته وإدارته وتمويله ستشهد في المرحلة المقبلة انتقالًا من أبوظبي إلى الرياض. فالسعودية، بصفتها قائدة التحالف، قد استغلت هذه الثغرة والأخطاء القاتلة التي ارتكبها عيدروس لن تقف مكتوفة الأيدي أمام انهيار أكبر قوة عسكرية وسياسية كانت تعتمد عليها في الجنوب. ورغم فشل المجلس سياسيا، فإنه ظل القوة الأكثر تنظيما في مواجهة القوى المعرقلة لبنا الدولة الاتحادية، والأكثر فاعلية في مكافحة التنظيمات الإرهابية، وقد أثبت ذلك خلال سنوات الحرب وتطهير عدد من المناطق الجنوبية وحضرموت من الجماعات المتطرفة، وهو ما يجعل المجلس الانتقالي هو الخاسر الأكبر مما تعرض له، ويدفعه إلى محاولة إعادة ترميمه والاستفادة من هيكله وقاعدته الشعبية المتبقية.
وفي تقديري، لم تكن القيادة السعودية لتُقدم على استهداف قوات الانتقالي في حضرموت والمهرة لو كانت تدرك أن ذلك سيقود إلى الانهيار الذي نشهده اليوم، مهما ذهبت بعض التحليلات إلى أن الرياض تعمدت التخلص من المجلس كونه محسوبًا على الإمارات. فمثل هذا الطرح يتنافى مع منطق الدولة وإمكاناتها، إذ إن السعودية قادرة، إن أرادت، على إعادة تموضع المجلس وانتزاعه سياسيًا من أي نفوذ إقليمي آخر، دون الحاجة إلى تفكيكه عسكريًا. كما أن تصريحات الزبيدي السابقة عن أن قواته رهن إشارة الملك سلمان ليُضرب بها حيث يشاء، تمثل أحد الشواهد على طبيعة هذا الارتباط.
وفي السياق ذاته، جاءت قرارات العليمي المتعلقة بإعفاء وتعيين قيادات في المنطقة العسكرية الثانية ومحور الغيضة، وإحالة بعض القيادات للتحقيق، كمؤشر على محاولة إعادة ضبط المشهد العسكري والأمني في الشرق اليمني، ومنع التفرد وفرض الأمر الواقع، وإرسال رسالة مفادها أن المرحلة القادمة لا يمكن أن تُدار بالولاءات الضيقة أو الكيانات المسلحة خارج إطار الدولة.
إن ما يجري اليوم في الجنوب، وفي اليمن عمومًا، يعيد التأكيد على حقيقة سياسية ثابتة: القضايا العادلة لا تُختزل في أشخاص، ولا تُدار عبر مجالس فاشلة، ولا يُحمى مستقبلها بالشعارات أو بالقوة غير المحسوبة. فالقضية الجنوبية ستبقى بعد زوال كل من أساء تمثيلها أو عجز عن حملها، أما الأدوات التي فشلت في الارتقاء بها، فمصيرها إلى التآكل والزوال، عاجلًا أم آجلًا.
اليمن اليوم يقف عند مفترق طرق خطير، والجنوب، بقضاياه العادلة وتضحيات أبنائه، أحوج ما يكون إلى وعي سياسي يتعلم من الأخطاء قبل أن تتكرر. فالتاريخ لا يرحم من لا يعتبر، والحقيقة التي لا تتغير هي أن ما أكثر العِبَر… وما أقلّ المُعتَبِرين.
اقرأ أيضا مواضيع متعلقة: هكذا هرب عيدروس إلى “أرض الصومال” ومنها لأبوظبي

