كتابات فكرية

مادورو… آخر أبطال أمريكا الجنوبية

  مادورو… آخر أبطال أمريكا الجنوبية

  • احمد سليم الوزير

الاحد 4 يناير 2026-

ليس نيكولاس مادورو مجرد رئيسٍ لدولةٍ في أمريكا اللاتينية، بل هو تعبيرٌ حيّ عن إرثٍ طويل من الكفاح ضد الهيمنة الأمريكية، وامتدادٌ لمدرسةٍ سياسيةٍ رأت في الدفاع عن الفقراء واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون خيارًا سياسيًا. لقد حمل همّ المستضعفين بوصفهم جوهر الشرعية، لا وقود الحملات الانتخابية.

كان مادورو مثالًا نادرًا في عالمٍ تُستَخدم فيه الأديان وقودًا للصراع؛ مسيحيٌّ في إيمانه، إنسانيٌّ في مواقفه، قريبٌ من المسلمين في قضاياهم، لم يرَ في الاختلاف الديني حاجزًا، بل جسرًا للعدالة والإنصاف. ولذلك لم يكن موقفه من فلسطين، ومن إسرائيل تحديدًا، موقفًا تكتيكيًا أو عابرًا، بل موقفًا مبدئيًا ثابتًا، لم يتزعزع رغم التهديد والترهيب والحصار، فكان في صلابته عربيَّ الروح، بل أكثر عروبةً من كثيرين وُلدوا بين نخيل شبه الجزيرة العربية ثم تخلّوا عن قضايا الأمة.

آمن مادورو بأفكار فيدل كاسترو وتشي غيفارا لا كشعاراتٍ رومانسية، بل كمشروعٍ للتحرر وكرامة الإنسان، مشروعٍ يرى أن الشعوب هي مصدر القرار الحقيقي، وأن النخب التي لا تراعي حقوق الضعفاء ولا تنحاز إلى آلامهم تفقد شرعيتها الأخلاقية، ويغدو التمرّد عليها حقًا مشروعًا، بل واجبًا تاريخيًا.

وفي سابقةٍ خطيرة تعبّر عن منطق الغطرسة الإمبراطورية، أقدم دونالد ترامب على اختطاف الرئيس الفنزويلي، في محاولةٍ لإذلال رمزٍ سياسيٍّ وكسر إرادة شعبٍ بأكمله. غير أن من يظن أن الزعماء يُختطفون كما تُختطف الأحلام، يجهل طبيعة الصراع مع الشعوب. فقد يُحاصر القادة، وقد يُؤذَون، لكن الأحلام التي تسكن وجدان الأمم لا تُختطف، بل تُورَّث، وتكبر، وتعود يومًا أكثر عنادًا وصلابة.

وليس ما يُقال هنا تعبيرًا عن آمالٍ عاطفية أو أحلامٍ غير واقعية، بل قراءةٌ واعية لمسار التاريخ نفسه. فالتاريخ يشهد، مرارًا وتكرارًا، بأن النصر في نهاية المطاف يكون للشعوب لا للإمبراطوريات الظالمة. الإمبراطورية الفرنسية انهزمت أمام صمود الشعب الجزائري بعد أكثر من قرن من الاستعمار، والآلة العسكرية الأمريكية سقطت في فيتنام أمام شعبٍ فقيرٍ امتلك الإرادة، ونظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا انهار أمام عدالة قضيةٍ حملها شعبٌ أعزل إلا من صبره. وقبل ذلك، تحررت أمريكا اللاتينية ذاتها من الاستعمار الإسباني على أيدي ثوارٍ أدركوا أن الحرية لا تُمنَح بل تُنتَزع.

هذه الوقائع تؤكد أن القمع قد يطيل عمر الظلم، لكنه لا يخلّده، وأن الحصار قد يُنهك الشعوب، لكنه لا يُميت وعيها. وحين تؤمن الشعوب بعدالة قضيتها، يصبح الزمن نفسه حليفًا لها، وتغدو الهزيمة قدر الإمبراطوريات مهما بدا جبروتها.

من هنا، فإن ما يجري في فنزويلا اليوم، وما تعرض له مادورو، ليس حدثًا معزولًا، بل فصلًا جديدًا في الصراع الأزلي بين الهيمنة والكرامة، بين الإمبراطورية والشعب. أما النتيجة، وإن تأخرت، فقد حسمها التاريخ سلفًا.

اقرأ أيضا: “صوت الشورى” عام من الكلمة المقاومة والتحليل المعمق والمقال الهادف

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى