كتابات فكرية

كيف حوّل ترامب فضائح إبستين التي ستنال منه… إلى عدوان على فنزويلا

كيف حوّل ترامب فضائح إبستين التي ستنال منه… إلى عدوان على فنزويلا

بقلم/ إبراهيم الحبيشي

الأربعاء 7 يناير 2026-

اللحظة التي تحوّل فيها شبحٌ من الماضي إلى طلقةٍ نحو الحاضر… كانت الأضواء مسلطةً على وثائق قضية “جيفري إبستين”، تلك التي رفعت عنها وزارة العدل الأمريكية الغطاء شيئاً فشيئاً، كاشفةً عن عالمٍ موازٍ للسلطة، حيث تختفي الأخلاق وتُباع الكرامات. في قلب تلك الكشفيات، كانت أسماء تتردد بخفوتٍ ثم يعلو صداها: رجال مال، نجوم، وسياسيون كبار. وفي أروقة واشنطن، بدأ سؤالٌ واحد يطغى على كل التحليلات: من سيكون الضحية السياسية القادمة لهذا الكشف الجديد؟

في تلك الأثناء، كان دونالد ترامب يبدو كرجلٍ يسير على حبلٍ مشدود فوق هاوية من الفضائح الأخلاقية والقانونية. التقارير تشير إلى أنه كان “على بُعْد خطوة” من أن تُلصق به تهمةٌ أو صلةٌ تكفي لهز صورته، وإشعال نار التحقيق ضده. لقد عاد شبح جزيرة “ليتل سانت جيمس” يطرق باب البيت الأبيض السابق بقوة، مهدداً بإسقاط سرديته وتراثه السياسي.

وكما في أفلام الإثارة، حدثت “المفاجأة” الاستباقية. ليست بمفاجأةٍ بالمعنى الحرفي، بل هي حركة سريعة وحاسمة لإعادة توجيه البوصلة الإعلامية والسياسية. فجأة، تحوّلت كل الأنظار من جزيرة الجرائم الجنسية إلى قارة أمريكا الجنوبية. من ملف إبستين المظلم إلى ملف فنزويلا الساخن. في خطوةٍ وصفت بالعنجهية التي لا سابق لها، تم الإعلان عن اختطاف ومحاكمة رئيس دولة فنزويلا، نيكولاس مادورو، وزوجته.

لم يكن الأمر مجرد تصعيد في سياسة الخصومة التقليدية مع كاراكاس. لقد كان انتهاكاً صارخاً، بل واستعراضياً، لكل ما خطته العهود والمواثيق الدولية عن السيادة الوطنية وحرمة رؤساء الدول. لقد تم رمي مبدأ “عدم التدخل في الشؤون الداخلية” عرض الحائط، وكأنه ورقة مهملة. السؤال الذي انطلق وقتها: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه القسوة والاستعجال؟

في رأيي أن هجوم ترامب المباشر والجريء على مادورو لم يكن مدفوعاً بسياسة خارجية تقليدية بقدر ما كان “ورقة خلاص” شخصية. إنها نظرية “التغطية بالحدث الأكبر”. عندما تواجه بفضيحةٍ محرجة، أشعل حرباً. عندما تهددك ورقة قانونية، اخلق أزمة دولية. إنها إستراتيجية “الدخان والمرايا” على مستوى عالٍ، حيث يُختطف رئيس دولة ليُختطف معه العنوان الرئيسي للصحف العالمية.

لكن الرسالة، تتجاوز فنزويلا بحد ذاتها. إنها رسالة تحذيرية مصوّبة بدقة إلى الداخل الأمريكي قبل الخارجي. رسالة تقول: “أنا لا أتردد في تجاوز كل الحدود والأعراف الدولية عندما يكون الأمر متعلقاً ببقائي. فكيف سأتردد في مواجهة من يتحداني من داخلي؟”. إنها طريقة لإظهار القوة المطلقة وغياب المحرمات، لإخافة أي جهة – إعلامية، قضائية، سياسية – تفكر في ملاحقته عبر ملف إبستين أو غيره.

والنتيجة كانت واضحة: لقد تم دفع ثمن الصراع الداخلي الأمريكي على حساب سيادة دولة كاملة وعرض شعبها. لقد تحول مادورو إلى “كبش فداء” في معركة ترامب للبقاء خارج دائرة الاتهام. وفي هذه العملية، خرجت الدبلوماسية الأمريكية – مؤقتاً على الأقل – من عباءة “حامية النظام العالمي” لتظهر في صورة المنتهك الأكبر لهذا النظام عندما تتطلب مصلحة شخصية ما.

اليوم، يقف العالم أمام سيناريو خطير: متى يمكن تحويل الفضائح الشخصية إلى ذرائع للعدوان الدولي؟ وأين ستنتهي العنجهية التي تضع إنقاذ شخص من فضيحة أخلاقية فوق كل المبادئ القانونية الدولية؟ قصة ترامب وفضيحة إبستين واختطاف مادورو قد تكون مجرد فصل جديد من فصول سياسة القوة الخام، حيث يصبح الخلاص الفردي مُرتهناً بإشعال نيران في ساحات أخرى، حتى لو كانت تلك الساحات دولاً ذات تاريخ وشعب وكرامة.

اقرأ أيضا: البلطجة الأميركية واختطاف مادورو..كيف نُسِفت أسس القانون الدولي بالكامل؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى