كتابات فكرية

“كلية بلقيس” في ذاكرة طالب (3-3)

“كلية بلقيس” في ذاكرة طالب (3-3)

الزميل الأستاذ قادري أحمد حيدر يروي لعبد الحليم سيف ذكرياته عن كلية بلقيس في الشيخ عثمان عدن

  • قادري أحمد حيدر

 السبت 4 أبريل 2026-

​الإهداء:

إلى الصديق زميل الدراسة الصحافي والكاتب والباحث، عبد الحليم سيف، صاحب فكرة إجراء هذا اللقاء.

لروحك السلام أيها الجميل والكبير حليم.

​أنهيت دراستي الثانوية، وكان قراري بمواصلة الدراسة الجامعية في جامعة صنعاء، وعدم السفر للدراسة في الخارج، الذي كان متاحاً لجميع خريجي الثانوية العامة، بعد القيام بالتدريس لسنة واحدة، وبذلك التحقت بجامعة صنعاء، (فلسفة واجتماع/ تخصص فلسفة)، واعتقلت وأنا على وشك التخرج من الجامعة في 28 فبراير 1978م، وخرجت من السجن أوائل العام 1981م لاستكمال الامتحانات النهائية في بعض المواد المتبقية/ سنة رابعة. ثم واصلت دراستي الجامعية للحصول على الماجستير في روسيا/ موسكو (الاتحاد السوفيتي/ معهد العلوم الاجتماعية) 1984م-1987م تخصص فلسفة.

​كان الأستاذ والمفكر الاجتماعي والمناضل السياسي عبده علي عثمان هو من ساعدني في الحصول على استخراج وثيقة تثبت شهادة تخرجي من الجامعة حين كان يشغل موقع الأمين المساعد لشؤون الطلاب للجامعة، بعد معاندة جهاز الأمن الذي كان مسيطراً على الجامعة بقبضة حديدية، خاصة منذ نهاية السبعينيات وعقد الثمانينيات وإلى قيام دولة الوحدة.

​اشتغلت عامل بناء أنا وأخي سعيد منذ الصف الثاني الإعدادي في كل العطل الدراسية وحتى الثالث الثانوي. هكذا كان الوالد يدفعنا للعمل ليس من أجل المال، بل لتدريبنا على فهم معنى الحياة، وقيمة العمل، وبداية الاعتماد على النفس؛ والعديد من زملاء دراستي في تلك الفترة يعرفون ذلك.

ومن عائدات العمل الشاق في أعمال البناء كنا نصرف على أنفسنا طيلة أشهر العطل الصيفية، مما دفع ببعض الآباء من الأهل -بمن فيهم المقتدرون مالياً- للاقتداء بأولاد أحمد حيدر، وهو شكل من أشكال التربية الاجتماعية كان يعتمده الوالد في التعامل معنا.

​كما اشتغلت بعد ذلك كاتباً لعطلة صيفية واحدة، في مكتب الوالد الحاج، الشهيد، سعيد علي الأصبحي، رحمة الله تغشاه، ثم كاتبا ومشرفاً على العمال في مصنع عمي عبد الرحمن حيدر للبلاط، وهو أول مصنع للبلاط يدخل لليمن بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م، كان اسمه “مصنع بلقيس للبلاط” في الحديدة.

​حياتي العملية –بعد ذلك- موظف بسيط، عملت في العديد من المجلات الثقافية بعد الوحدة: “اليمن الجديد”، “الثقافة”، “مجلة دراسات يمنية”. تشردت في المنافي الجميلة: بيروت، دمشق، مع مشاركة علنية في المنفى في العمل السياسي والإعلامي ضد نظام علي عبد الله صالح، كمسؤول إعلامي للجبهة الوطنية الديمقراطية في بيروت ودمشق، في الكتابة في العديد من الصحف والمجلات اللبنانية، والفلسطينية، بأسماء مختلفة، ضداً لنظام علي عبدالله صالح، والاشتراك في العديد من الفعاليات الفكرية والسياسية المختلفة لعرض وشرح موقف الجبهة الوطنية الديمقراطية.

​حين أتذكر رحلتي الدراسية التعليمية تبقى “كلية بلقيس” هي القُبلة، والقُبلة، والفرحة وفاتحة الدهشة التي حددت لنا خارطة ومعالم الطريق، هي المعلم الأول. فأنا ابن هذه المدينة/ عدن التي احتضنتنا، وابن هذه المدرسة “كلية بلقيس” التي قدمت لليمن الكثير؛ فمعظم رجال الدولة وكوادرها الحديثة في شمال البلاد وحتى في جنوبه خرجوا منها في كل المستويات، ويمكن أن تكون مدرسة “كلية بلقيس” علامة وطنية/ تاريخية في التعليم وفي السياسة والثقافة.

كلية بلقيس، لم تملأ حياة الطلاب بالتعليم واوليات معنى العلم الذي كانوا بحاجة إليه، فقد كانت المدرسة التي من خلال برامجها المختلفة المتعددة: تعليمية فنية رياضية خطابية تدريب على الأعمال اليدوية، هي من جعلت من التعليم فضاء رحب لصناعة حياة اجتماعية وإنسانية جديدة.

​يبدأ إصلاح التعليم من دراسة خبرة التعليم في أزهى وأقدم مراحله، والبداية اليوم تبدأ وتكون من توثيق تاريخ التعليم في المدارس الرائدة في الشمال والجنوب، ومنها أو في طليعتها مدرسة “كلية بلقيس”، كما تبدأ من البحث في مثلث التعليم في صورة: المناهج، الأستاذ، المدرسة؛ كيف كانت، وكيف هي اليوم، ودور هذا المثلث في صياغة مضمون دورهم التعليمي والتربوي والتوجيهي على طريق تعليم حديث يقوم على الاهتمام والتركيز النوعي على التعليم ودوره في التنمية الإنسانية.. التعليم المبني والمؤسس على تنمية علاقتنا وأبنائنا بالثقافة وباقتصاد المعرفة.

​أتذكر موقفين وأنا في قلب الدراسة الإعدادية والثانوية: الأول، حين جاء الشيخ عبد المجيد الزنداني إلى الحديدة في العام 1969م، ودخلت معه في نقاش من الطارود حول بعض القضايا وأنا في بداية “المراهقة السياسية”، وقد تداخل معه بعدها وبصورة أوسع الصديق علي عبد الفتاح المسني، الذي وضعه بأسئلته المحرجة في موقف صعب، حدث بعدها هرج ومرج اضطر بعدها للخروج من الفصل بل ومن المدرسة كلها.

​والموقف الآخر كان كذلك في العام 1969م، بعد أحداث 23/24 أغسطس 1968م والأوضاع المضطربة والمنقسمة في البلاد، وكانت إدارة المدرسة –بعضهم- تعتدي على حق الطلاب في “التغذية” وهي وجبة غذائية يومية تقدم للطلاب عموماً بدون استثناء: فقير، أو متوسط الحال، أو غني، وهي من الثمار الاجتماعية الاقتصادية لثورة 26 سبتمبر 1962م. وتطور الموقف الاحتجاجي من ذلك الاعتداء/ النهب على وجبة الغذاء إلى تحطيم سيارة مدير المدرسة عدنان الطيبي (من أصول فلسطينية)، وكانت السيارة روسية، وبدأ الاحتجاج برمي الحجارة عليها، وكنت أول من بادر بقذف الحجارة على السيارة وكسر زجاجات السيارة الأمامية، في حالة استغراب وخوف من البعض من التجرؤ على مثل هكذا عمل، شاركني بعدها –بعد ذهاب حالة الاستغراب والاندهاش والتردد – عدد من الطلاب الذين تزايد عددهم بعد ذلك؛ كان منهم الصديق هاني عبد الحميد الشيباني، وعبد الباري أحمد علي، و”العريقي” (لا أتذكر اسمه الكامل)، وآخرون كانوا فاعلين ومشاركين في عملية تحطيم السيارة حتى رفعها ورميها في آخر الأمر خارج مبنى المدرسة.

​وتطورت حادثة تحطيم السيارة إلى حركة احتجاجية سياسية، ومن ثم إلى تظاهرة جماهيرية سياسية صغيرة تدخل فيها الأمن، احتجزتُ على أثرها لمدة ثلاثة أسابيع في مبنى المحافظ/ الشيخ سنان أبو لحوم. وكان للوالد/ الشهيد، سعيد علي الأصبحي (مقاول كبير)، بدفع من الاستاذ، هاشم سليمان، والوالد أحمد شمسان عون دور في إطلاقي مع آخرين من الحجز، ولمعرفة المحافظ سنان أبو لحوم بوالدي الذي كان يتعاون معه في بعض الأشياء/ الأعمال العمرانية، وقد أسهم والدي في تلك الفترة في الإشراف على المبنى الجديد المضاف لمستشفى العلفي في الحديدة بعد ذلك، الذي كان يموله المحافظ، سنان ابو لحوم، وهي بداية دخولي إلى معترك السياسة لاحقاً.

​وفي سجن المحافظة تعرفت على القائد السياسي الكبير والجميل عبد الفتاح علي طه، من رموز حزب البعث، وكنت قد رأيته مرة في منزل الصديق الأستاذ المناضل محمد الفلاح.

​أتذكر من الأساتذة الأجلاء لـ “كلية بلقيس”: الأستاذ القدير حسين علي الحبيشي، والذي تكونت بيننا في فترة لاحقة في صنعاء علاقة شخصية طيبة امتدت حتى لحظة رحيله (أشار إليّ في كتابه “محطات في حياتي”)، والأستاذ الفاضل سعيد قائد المقطري المشرف العام للمدرسة الذي لم تتوقف زياراتي له خاصة في فترات مرضه في صنعاء، ومحمد أنعم غالب، وأحمد حسين المروني، والأستاذ محسن العيني الذي سمعت عنه لاحقاً من خلال الوثائق التي لها صلة بتاريخ “كلية بلقيس”، وكذا أستاذي المباشر صالح سعيد نصيب (الشاعر)، وعلي أحمد حيدر المقطري، وعبد الجبار طاهر (مربي الفصل وأستاذ قدير، أكن له ولغيره جميل العرفان، وهو من طلبة كلية بلقيس ومن أساتذتها)، ومحمد علي حيدر (مشرف المرحلة/ أستاذ فاضل ومربي)، ومحمد سعيد الشطفة مربي فاضل، وعمر الدهبلي (واحد من أعلام “كلية بلقيس”)، وعلي محمد حيدر الحاج الأصبحي، وعوض الحامد، ومحمد حيدره “الباشا”.

​إن ما تقوم به أنت الآن في مثل هذا العمل الجميل أيها العزيز عبد الحليم سيف، إنما هو عمل يدخل في باب تكريم هذه المدرسة “الكلية”، التي أسهمت بدور كبير في التعليم وفي إدخال الآلاف من الطلاب إلى سلك التعليم بعد حرمانهم لزمن طويل، وفتحها الباب أمام أجيال من الأبناء/ الطلاب للالتحاق بالتعليم.. الأطفال الذين كنت أنا وأنت والآلاف غيرنا ممن أنقذتهم هذه الكلية من حالة بقائهم خارج سلك الدراسة التعليمي.

​وذكرني الأستاذ الصديق عبد العزيز سلطان المنصوب، أنه كان من نفس الدفعة الأولى التي التحقت بكلية بلقيس وتزامل مع عبد الحليم سيف في بعض سنوات الدراسة الابتدائية.

​وإذا كان الأستاذ المناضل والمفكر عبد الله عبد الرزاق باذيب قد لعب دوراً بارزاً وكبيراً في تحفيز وتحشيد وتجميع الناس للاشتراك في التطوع للدفاع عن ثورة 26 سبتمبر 1962م وفي الكتابة عن الثورة، فإن مدرسة كلية بلقيس كانت بمدرسيها وطلابها الكبار ممن ساهموا في الدفع بالكثير للسفر إلى تعز وصنعاء للالتحاق بالدفاع عن الثورة والانخراط في جيشها الوطني/ الحرس الوطني، وغيره. وهناك المئات من الطلاب الذين فروا من عدن من مختلف المدارس دون علم أسرهم للالتحاق بالدفاع عن الثورة والجمهورية.

​لقد كانت مدرسة “كلية بلقيس” فكرة ثقافية مدنية وقضية وطنية وتقدمية قامت على أنقاض فكرة الانقلابات المسلحة. ويبدو أن بداياتها بدأت تتبلور حين اختلف الأستاذ أحمد محمد نعمان مع زعماء المشايخ والقبائل بعد فشل انقلاب حركة 1948م الدستورية، وبعدها فشل انقلاب مارس 1955م؛ بدأ بعد ذلك الأستاذ النعمان يرى ويؤكد أن لا مخرج ولا حل لليمن واليمنيين “المشكلة اليمنية” إلا بالتعليم، ومن أن التعليم هو البداية والبوابة للإصلاح والتغيير في اليمن، ورفض فكرة تجميع الأموال لشراء السلاح للقبائل للقيام بانقلاب عسكري، وتوجه الأستاذ النعمان كليةً نحو توفير الدعم المالي للصحافة المعارضة لحركة الأحرار ” الاتحاد اليمني”, في عدن والقاهرة، وبعدها لتشييد عمارة كلية بلقيس كصرح تعليمي للأجيال، وهو ما تم.

​تحية للرائد الأستاذ أحمد محمد نعمان “أستاذ الأجيال”، وتحية لرجال الأعمال الذين أسهموا فعلياً في بناء ذلك الصرح، وعلى رأسهم الوالد القدير الحاج شمسان عون الأديمي، الذي رأس المجلس الأعلى التعليمي لكلية بلقيس، وللأساتذة الأجلاء الذين قاموا بدورهم التعليمي التربوي.

​وقد شارك في التدريس في “كلية بلقيس” وهم من أنصارها رموز فكرية وثقافية وسياسية وأدبية، منهم على سبيل المثال: محمد سعيد مسواط، عبد الله فاضل فارع، قاسم غالب أحمد، عبده حسين الاهدل، حسن علي هرهرة، عبد الله عبد الرزاق باذيب، محمد سعيد العطار، سلطان أحمد عمر، محمد سالم باسندوة، عبد الله حسن العالم، القرشي عبد الرحيم سلام، علي باذيب، أبو بكر باذيب، عبد العزيز عبد الغني، محسن أحمد العيني، أحمد عمر بن سلمان (صاحب البرنامج الإذاعي الشهير)… إلخ.

​وأنا أجيب على الأسئلة المعدة والمقدمة من الصديق زميل الدراسة عبد الحليم سيف حول “كلية بلقيس”، وتحديداً بتاريخ 27/8/2021م، اتصلت بالأستاذ والصديق أبو بكر باذيب، وسألته عن قصة التحاقه وأخيه الأكبر الأستاذ عبد الله باذيب للتدريس في “كلية بلقيس” وهما من أبناء عدن ويعملان في وظائف حكومية رسمية، فقال: إن الدافع كان وطنياً لتدعيم ومناصرة مدرسة وطنية يمنية وليدة وناشئة، ولتعميق المعنى الوطني اليمني في الوعي العام، مضيفاً: لقد تنازلنا عن مرتباتنا الحكومية وهي ثلاثة أضعاف المرتبات في مدرسة “كلية بلقيس”، إلى جانب امتيازات مالية وحوافز مختلفة، فقد كان ما يحركنا هو همنا ووعينا الوطني اليمني بقيمة ومعنى هذه المدرسة الوليدة/ الظاهرة، حتى جرت بعض الملابسات السياسية التي يطول شرحها، فتم الاستغناء عن الأستاذ عبد الله باذيب، وعدنا بعد أكثر من سنة للوظيفة وللتدريس في المدرسة الحكومية.

​ما تقوم به أيها العزيز عبد الحليم إنما هو عمل جليل وهام.. محاولة لتركيز الاهتمام على صرح تعليمي رائد أسهم في التنمية التعليمية والثقافية والوطنية لليمنيين، وهو شكل من أشكال التوثيق والتخليد معاً لدور هذه المدرسة “كلية بلقيس”، ولأساتذتها الأجلاء الذين قاموا بدور عظيم لن تنساه لهم الأجيال.

​ما تقوم به أنت اليوم من خلال هذه الحوارات سيكون مقدمة لفتح ملفات مدارس ومؤسسات التعليم الأهلية والرسمية الرائدة المختلفة في اليمن شمالاً وجنوباً، منذ أواسط الثلاثينيات في “ذبحان” بإدارة وإشراف الأستاذ أحمد محمد نعمان، وكذا المدرسة والدور التعليمي للرائد السياسي والمنوّر الإصلاحي الديني والوطني الشيخ عبد الله علي الحكيمي، ومدرسة “بازرعة” و”المعهد العلمي الإسلامي”، و”المدراسي” في كريتر، و”النهضة” في الشيخ عثمان، والمدارس الأهلية الرائدة، وقبل الجميع دور المدارس الأهلية وغيرها في حضرموت وهي كثيرة، وحتى اليوم.

​وفي تقديري أن هذا العمل الذي تقوم به أيها العزيز حليم إنما يدخل في باب التكريم والتخليد والتوثيق لمثل هذه المؤسسة التعليمية الأهلية الرائدة وغيرها من المؤسسات التعليمية المطلوب الكتابة عنها في الجنوب والشمال.

فقد كانت مدرسة “كلية بلقيس” أول تدعيم فعلي لحضور فكرة الإصلاح والتغيير الثقافي والاجتماعي، وانتقال فكرة وقضية الإصلاح والتغيير من حيز القول والدرس التعليمي إلى نطاق الفعل الممارس بعد ذلك في صورة ثورتي 26 سبتمبر 1962م و14 أكتوبر 1963م.

​أتمنى أن يجد جهدك هذا طريقة للتجميع والنشر، تخليداً لاسمك ولدورك في الكتابة الصحافية والبحثية والتوثيقية.

اقرأ أيضا: “كلية بلقيس” في ذاكرة طالب (٢-٣)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى