كلمة واحدة يمكن أن تغير حياة الإنسان: مطالعة سريعة في ملامح من تجربة المفكر عبدالوهاب المسيري

كلمة واحدة يمكن أن تغير حياة الإنسان: مطالعة سريعة في ملامح من تجربة المفكر عبدالوهاب المسيري
د. رياض الصفواني
الخميس 29 يناير 2026-
إن ما دفعني لاستحسان كتابة هذا المقال هو نَص قرأته في أحد المواقع على الشبكة العنكبوتية منقول عن المفكر د. عبدالوهاب المسيري، يقول: “كنت لا أنجح في الدراسة إلا في الدور الثاني، حتى وصلت للمرحلة الثانوية فقال لي مدرس التاريخ: أنت عبقري يا عبد الوهاب! فتغيرت حياتي منذ ذلك اليوم، مع أني لا أدري هل اكتشفني فعلاً، أم أنه كان من باب التشجيع، وأنا صدقته، والمهم أن النتيجة واحدة، فقد تغيرت حياتي منذ سماعي لتلك الكلمة”!.
كلمة واحدة فقط يمكن أن تغير حياة الإنسان بصفة عامة، سواء إلى الأحسن أم إلى الأسوأ، وهي هنا تُعنى بالأحسن .
وقبل أن نستطلع ملامح محتوى النص، يجدر بنا أولاً أن نعرج سريعاً على الهوية الشخصية للمسيري، فمن هو عبدالوهاب المسيري؟
هو كاتب وأديب وأكاديمي ومفكر اجتماعي مصري، وُلد في مدينة دمنهور في ٢٣ يوليو ١٩٣٨م، وفيها تلقى تعليمه الأساسي والثانوي، وحصل على درجة الماجستير من جامعة كولومبيا في الأدب الإنجليزي، ثم الدكتوراه في الفلسفة من جامعة لندن عام ١٩٧٢م، عمل في عدة جامعات مصرية وعربية منها جامعات: الإسكندرية وعين شمس والكويت ومحمد بن سعود، توفي في ٢ يوليو ٢٠٠٨م، بعد أن خلّف إرثاً فكرياً دسماً، ينهل من ينابيعه الدارسون والمهتمون والمثقفون من مختلف ألوان وشرائح المجتمع العربي والإسلامي بل وغير الإسلامي.
وسواء أكان ذلك النص منسوباً للمسيري، بسبب عدم الوقوف على مصدره الحقيقي، ولكثرة ما نقرأه على مواقع ومنصات شبكات التواصل الاجتماعي من أقوال منسوبة في الغالب لمشاهير الكتاب والأدباء والمفكرين، للاستشهاد بها في إيضاح بعض المعاني، أو لتمرير بعض الأفكار، ومحاولة التأثير في الوعي الجمعي، أم أنه حقيقي وغير مستبعد، وهو ما نرجحه، بالنظر إلى ما يمر به الإنسان من تجارب فاشلة في حياته، لا تلبث أن تتحول بعضها إلى محطات لنجاحات متعاقبة كشأن بعض المبدعين والعباقرة في التاريخ، منهم وفق بعض المطالعات: إسحاق نيوتن، الذي حاول في البداية أن يدرس الطب في جامعة كامبريدج، ولكنه أخفق في امتحان القبول، وقرر عوضاً عن ذلك دراسة الرياضيات والفلسفة الطبيعية، فأثمرت هذه الدراسة تطويره لقوانين الحركة والجاذبية، وكذلك ابن الهيثم الذي نجح بعد محاولات فاشلة في اختراع العدسة فأصبح عالماً في البصريات.
إن المتأمل في مضمون ذلك النص يلحظ أن التشجيع لتحقيق الذات وبلوغ الغايات والمقاصد النبيلة، أمر من الأهمية والضرورة بمكان في أي حقل من حقول المعرفة بشقيها النظري والتطبيقي، وفي ميادين أخرى كثيرة بعضها يتصل بكيفية إدارة الشأن العام أو الخاص، ويتحقق ذلك من خلال العناصر التالية:
١. الثقة بالنفس، بوصفها ركن أساسي في تطوير القدرات وتنمية المهارات.
٢. التحفيز على التفكير في الإبداع والابتكار.
٣. المساعدة على تحديد الأهداف والسعي الحثيث لتحقيقها.
٤. القدرة على مواجهة التحديات ولجْم الصعوبات.
٥. التشجيع على تحسين الأداء وتطويره.
٦. التحفيز على بناء علاقات إيجابية.
٧. تحقيق السعادة والرضا عن الذات.
ويبدو لي أن تلك العناصر مجتمعة أو بعضها تنطبق على المفكر عبدالوهاب المسيري كنموذج، انتقل بالتشجيع على النجاح والتحفيز على الإبداع من حالة اللانجاح كما في النص، إلى النجاح وبلوغ مرتبة الإبداع، وهي نقلة نوعية بكل تأكيد، خَلقت – دون مبالغة – مفكراً موسوعياً، أنتج للثقافة وللفكر العربي العديد من المؤلفات والمصنفات في مختلف حقول المعرفة، بحيث شملت مؤلفاته ميادين: الأدب واللغة، الفكر والفلسفة، الدراسات الإسلامية، التاريخ، والدراسات في الأديان المقارنة، وغيرها من المجالات التي تضيق هذه المساحة بحصرها، وقد كان لي شرف قراءة بعضها، مثل “كتاب موجز المفاهيم والمصطلحات الصهيونية”، وثلاثة من أجزاء موسوعة “اليهود واليهودية” الثلاثة عشر، وقراءة في كتاب “الصهيونية والحضارة الغربية” التي نشرتها بعض مواقع السوشيال ميديا . وكم وجدته دقيقاً، عميقاً، وشاملاً في مطارحاته ومقارباته. ومن جملة القضايا التي ناقشها في هذه الموسوعة على سبيل المثال: التفريق بين اليهودية كديانة وليست قومية وفق الزعم اليهودي، وبين المشروع الصهيوني الوظيفي، مؤكداً أن الطبيعة الوظيفية للكيان الصهيوني تعني أن الاستعمار اصطنعها لتُنَفِذ وظيفة معينة، فهي مشروع استعماري لا علاقة له باليهودية.
إن من أهم ما يمكن استخلاصه من الوقوف على نموذج المسيري هو التأكيد بأن عدم نجاحك في أي تجربة سابقة في حياتك العلمية والمهنية وفي سائر نشاطاتك واهتماماتك لا يعني بالضرورة أنك امرؤٌ فاشل حتى لو تكرر الفشل ثانياً وثالثاً ورابعاً، فالفشل يمكن أن يكون خطوة نحو النجاح، أو هو “جزء من النجاح” وفق جاي كولينز، ولكن ذلك النجاح لا يتأتى إلا بشروط، أهمها: الثقة بالنفس، وامتلاك الإرادة والإصرار والمثابرة على بلوغ الهدف وتحقيق الحلم، ومن خلال التشجيع والتحفيز على النجاح والإبداع، سواء أكان ذلك التشجيع والتحفيز معنوياً أم مادياً أم كلاهما معاً.
ومن خلال الحرص على توفير بيئة تتبنى الإبداع وترعاه، وتعمل على توفير فرص التدريب، ودعم المشروعات المبتكرة، وتقييم الأداء الإبداعي وتحسين كفاءته.
اقرأ أيضا: المناضل يحيى الشامي .. وثنائية (قيل – سيد)



