كتابات فكرية

في رثاء أبي

  في رثاء أبي

  • سمية لطف قشاشة

الاثنين 19 يناير 2026-

منذ طفولتي حتى يومنا هذا كنت أراهُ جبلاً شامخا رأيت فيه حنان الأب وحزم المربي ووفاء الصديق وصرامة القائد وأخلاق النبي. فماذا أقول عن لطف القدر الذي كافأني بهذا العظيم الذي لم أشعر وأنا في كنفه باحتياج لأحد كان أمانٌ من كل جهات حياتي عاملني كأختٌ له وكصديقةٌ له وكأمٍّ له كان يناديني أُمُّ أبيها وكان فخراً لي على الدوام وطوق نجاةٍ لي في عواصف الحياة. أبي لطف العطاء اللامتناهي كان يرسم لي ولأخوتي مستقبلاً لا يحلم به أي ولد وبنتٌ في الكون فبينما الجميع يجري لبناء مستقبلا لأولاده ماديٌّ كان أبي يلني لنا مستقبلا أخلاقيا حافلاً بالعطاء الإنسانيُّ البحت النزيه المشرّف أطعمنا بكدّه وجهده حلالاً زٌلالا زرع فينا عزْة النفس وعدم النظر لما في يد الناس من الحطام ملأ أعيننا بما يجعلنا في غنى عن الجميع. أعطانا ثقةً عظيمة في أنفسنا كي نخوض غمار الحياة معتمدين على الله عز وجل ومنتهجين نهج النبي محمدّ صلوات ربي عليه وعلى آله ونهج الإمام علي عليه السلام بالزهد والسخاء بما في اليد بلا شُحٍّ واستجداء علْمنا أن قيمة الإنسان ما يملكه من أخلاق وتعايش بسلامٍ بين الناس والترفّع عن كلما يحطْ من قدرنا كمسلمين وكتابعين لنهج النبيْ وآله.

 أبي علمنا أن الحياة عبادة لله وحده وليست للبشر ولا للحطام وعلمنا أن الموت هو بداية الحياة لقطف ثمار العمل في دار البلاء علمنا في حياته الصبر على البلاء بكل صوره وعلمنا بعد وفاته أن لبس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يُرى وها نحن قد رأينا بعد موته ثمار سعيه وهو حب الناس وكيف ان الغريب قبل القريب نال سعي ابي وأخلاقه وإنسانيته في الواقع الملموس.

 أبي كان كنزاً عظيما فخراً لنا ولآل قشاشه أجمع ولمجتمعنا الذي عاش فيه كذلك. فأنا لا أبكي أبي لفقدي ايّاه كأب ولكنْي أبكي خسارة رجلٌ عظيم كان لديه رسالة إنسانية إسلامية سيفتقدها اليمن بأكمله وأنا لا أبالغ في ذلك، فقد كان أبي رحمة الله تغشاه مثالاً لما جاء في الحديث القُدسي (أحبكم إلًى الله أنفعكم لعباده) أو كما ورد في الحديث، فالسلام عليك يا أبي بوم وٌلدت ويوم نشأت على طريق العلم والعلماء ويوم طبّقت كلما تعلمته ويوم صبرت على ابتلائك ومرضك ويوم وافتك المنية ورحلت عن دنيانا ويوم تُبعث حيْاً والملتقى معك يا أبي بإذنه تعالى عند حوض المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم…جبر الله مصابنا بك يا أغلى البشر وإلى أن نلقاك نعدُك أنا وإخوتي أن نكون خير خلف لخير سلف حتى تتوّج بتاج الوقار على حُسن تربيتك وتنشئتك لنا يا خير أبّ وجد في الكون.

مقال نشر في كتاب أصدره اتحاد القوى الشعبية بعنوان: “وداعًا لطف قشاشة.. كلمات في رحيل قائد”، وذلك بمناسبة أربعينية فقيد الاتحاد والوطن الأستاذ لطف بن لطف قشاشة، نائب الأمين العام للاتحاد.

اقرأ أيضا: طيف في موكب الوداع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى