علي صالح عباد مقبّل .. قائد تحرر وطني ورمز لوحدة الحزب الاشتراكي اليمني

علي صالح عباد مقبّل .. قائد تحرر وطني ورمز لوحدة الحزب الاشتراكي اليمني
- قادري أحمد حيدر
الاحد 30 نوفمبر 2025-
الأستاذ، الفقيد، والقائد السياسي والوطني اليمني الكبير، علي صالح عباد “مقبّل”، هو أحد أبرز قادة التحرر الوطني ضد الاستعمار، وقائد جبهة عدن بعد عبدالفتاح إسماعيل في فترة الكفاح المسلح.
ارتبط اسمه بمجد صناعة الاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967م بكل جدارة واقتدار.
فكل الأيام يا بن عباد هي مناسبة للاحتفاء بك.
عيد ميلادك مفتوح على مدار السنة، فلا يوم ولا شهر ولا سنة يمكن أن تقول لنا إنك رحلت.
سنظل نحتفي بذكراك في كل الساعات، في كل الأيام، لأنك لم ترحل كفكرة ومعنى وقضية وموقف.
ثابتًا يتقدم للأمام، وتلك من علامات نبوءته السياسية والوطنية.
هكذا كان، وهكذا ودّعنا ليعود في كل المناسبات، معلنًا مواصلة كتابة الحكاية.
عرَفتُ علي صالح عباد “مقبّل” بصورة عابرة بعد كارثة ١٣ يناير 1986م في صنعاء، وتحديدًا في النصف الثاني من عام 1988م بعد خروجي من السجن. تعمقت علاقتي الشخصية به بعد الوحدة، وترسّخت أكثر بعد جريمة حرب 1994م، حين اقتحمت قوات علي عبدالله صالح منزله بعد يوم واحد من غزو قواته جنوب اليمن، وهو نائب رئيس مجلس النواب، ويتمتع بحصانة دستورية وقانونية.
وقف صامدًا في مواجهتهم، ملتفًا بالفوطة والجرم الداخلي على صدره، موجّهًا إليهم اللعنات والإهانات القوية، بينما كان البيت محاصرًا من جميع الجهات بأطقم عسكرية مدججة بالسلاح، وحتى الدبابات في مواقع متفرقة من منزله، وكأنهم في حالة تأهب لمواجهة قتالية عسكرية حقيقية.
رأى “مقبّل” بعينيه كيف كان “العكفة الجدد” ينزعون الأقراط الذهبية من أذن ابنته الصغيرة “عفاف”، دون حياء، متجاوزين جميع الأعراف والتقاليد الاجتماعية والأخلاقية.
حينها قال لي الأستاذ الكبير والمناضل القدير، فقيد اليمن، الشاعر يوسف محمد الشحاري، وكنا معًا على مسافة من منزل علي صالح عباد في نهاية شارع الدائري، وهو ممنوع الاقتراب منه:
“كم أحسد الحزب الاشتراكي على هذا البطل، وأغبط اليمن كله على مثل هذا القائد الذي لا يتكرر في التاريخ.”
وكان يوسف الشحاري يكرر هذا القول في لقاءاتنا اللاحقة عند ذكر اسم “مقبّل”.
علي صالح عباد “مقبّل”، كم أفتقدك كصديق، كما يفتقدك حزبك والوطن كله في هذا الوضع اليمني الصعب والبائس، المتنازع عليه من مليشيات مسلحة مدعومة من الخارج.
في واقع صمت قيادات الأحزاب القاتل.
أتخيل لو كنت حاضرًا اليوم يا بن عباد “مقبّل”، إلى جانب فرسان كبار مثل عمر الجاوي، يوسف الشحاري، عبدالله البردوني، جار الله عمر، وعيسى محمد سيف، ومحمد الربادي وغيرهم، لكان وجه اليمن السياسي والوطني المقاوم مختلفًا تمامًا على جميع المستويات. ففي “الليلة الظلماء يُفتقد البدر”.
فقدانك كان خسارة عظيمة لعائلتك، ولأصدقائك، ولحزبك، وللوطن بأسره شمالًا وجنوبًا.

حافظت يا بن عباد “مقبّل” على الحزب الاشتراكي قويًا وموحدًا ووطنيًا في أصعب الظروف وأشدها قساوة، وفي مواجهة جريمة حرب 1994م، الحرب التي استهدفت ضرب الوحدة اليمنية التعددية والديمقراطية في العمق، واستهدفت إقصاء ونهب وتهميش جنوب البلاد وتحويله إلى غنيمة حرب، “فيد سياسي، واقتصادي، وأيديولوجي”، تمهيدًا لتصفية واقع ومعنى وجود الحزب الاشتراكي اليمني كتنظيم وقوة اجتماعية. ومع كل ذلك العنف الدموي، تحت شعار “الوحدة بالحرب وبالدم”، خرج الحزب بفضل قيادتك الحكيمة والشجاعة موحدًا، رغم وحشية الحرب القذرة.
حين تجتمع روح البطولة والفداء، مع قوة حضور الفكر المقاوم، نرى كيف تعبر الإرادة الحرة عن نفسها في مواقف مقاومة للاستبداد، ومن أجل الدفاع عن الحق والعدل، وهو ما كنا نراه مجسدًا في فكرك وسلوكك، وهو ما نفتقده في زمن العفن السياسي السائد اليوم، من القيادات الطارئة في التاريخ.
زمن لم نعد ندري فيه أين هو سقف السلطة، ومتى يبدأ حد المعارضة كرؤية وموقف، وإلى حد انعدام الحدود والفوارق بين الجيش الوطني، والمليشيات المنتشرة القبلية والعشائرية، والمذهبية/الطائفية.
هو زمن “الكوميديا السوداء”، يا “مقبّل”، جنبك الله منه، رحمة بك في اختيارك إلى جواره، وحتى لا تموت في كل يوم أكثر من مرة.
كان ابن عباد “مقبّل”، وعمر الجاوي، ويوسف الشحاري، وجار الله عمر، وعيسى محمد سيف، …إلخ، وجوهًا متعددة لروح بطولة واحدة. إن قوة مكانة حضور هذه الأسماء في وجدان الشعب، وتبلور معنى وجودهم كزعامات وقيادات، كانت وجاءت من وهم في جحيم المعارضة خارج السلطة، ولم يمنعهم الإعلام السلطوي الرسمي من ذلك. علامات ورموز قيادية تحددت وتكرست مكانتهم من خلال دورهم المدني والديمقراطي في قلب المجتمع، ومن خلال القيم التي عبروا عنها وجسدوها في سياق نشاطهم المعرفي والفكري والثقافي والسياسي والاجتماعي الديمقراطي.
وهنا يكمن الفارق النوعي بين الزعامة المصطنعة، والزعامة التي تمثل وتعكس صورة ومعنى الضمير الأخلاقي والوطني والإنساني.
وعلي صالح عباد “مقبّل”، وعبدالله البردوني، ويوسف الشحاري، وعمر الجاوي، وجار الله عمر، وعيسى محمد سيف، من ذلك النموذج الأخلاقي والإنساني، للزعيم وللقائد، الذي لا يحتاج إلى شيء من خارجه ليضفي عليه معنى القيادة والزعامة، قيادات بالفعل وليس بالقوة، حسب تعبير أرسطو.
فالأرواح جنود مجندة، فيهم ائتلف روح الصدق والعدل والحق، في صورة مقاومة عبرت عن نفسها من لحظة مقاومة الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن، إلى ذروة الدفاع عن صنعاء في حصار السبعين يومًا الخالدة.
دخل “مقبّل” التاريخ كبيرًا، ودخله ثانية بعد الرحيل أكبر، كقامة وقيمة.
ولذلك، هو حاضر بيننا ولم يرحل.
“مقبّل”، قائد لا يموت كمعنى وقيمة، خالد في ذاكرة الحزب ووجدان الرفاق والأصدقاء، وفي بنية ذاكرة الوطن.
روحك الثورية والتقدمية تذكّرنا دائمًا بالمقاومة.
سر جمالك يكمن في بريق عيني عقلك المشع بالصدق، وفي قول كلمة الحق حتى في أصعب الظروف.
الله ما أجملك وأنبلك وأعظمك، أيها الفارس النبيل.
أفتخر وأعتز بمعرفتك، فذلك وسام يضاف إلى سيرة حياتي، ويجعلني أشعر دائمًا بالقوة لأنني عشت في زمنك.
المجد والخلود لك، وللحزب الذي كنت قائده، ولليمن الديمقراطي التعددي الذي دافعت عنه حتى آخر نفس.
وإلى جنة الخلد، أيها الرمز السياسي والوطني الكبير، فمثلك ومثل أمثالك عصيّون على النسيان.
اقرأ أيضا لكاتبن: الاستقلال في رؤى المكونات السياسية في جنوب اليمن




