علاقة وسائل الإعلام والقضاء.. التصحيح والمعالجة

علاقة وسائل الإعلام والقضاء.. التصحيح والمعالجة
بقلم/ عبدالرحمن علي علي الزبيب
السبت 28ديسمبر2024_
لكـل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية و تكفل له الدولة حرية الفـكر والرأي بالقول والكتابة والتصوير..)
ما ورد أعلاه هو نص المــادة(42) من الدستور اليمني النافذ الذي نص صراحة على حق جميع المواطنين في حرية الرأي والتعبير وأوجب على الدولة كفالة هذا الحق ولكن؟
في الواقع الأمر مختلف جداً فنلاحظ وجود علاقة غير مشروعة و عداء غير مبرر بين مؤسسات وسلطات الدولة مع الصحافة والإعلام، ويتم التعسف ضد وسائل الإعلام والصحفيين باستخدام القضاء وبشكل وإجراءات مخالفة للقانون والدستور في محاولة لخنق وتضييق هامش الحرية وتقييد وضبط وسائل الإعلام ومنعها من تناول مظلوميات المواطنين البسطاء، وكذلك منعها من تناول وكشف وقائع الفساد واختلالات مؤسسات الدولة وتجريم ذلك بشكل مخالف للقانون عبر نيابة ومحكمة الصحافة الذي تم انشاؤها عام 2009م، بموجب طلب من نقابة الصحفيين اليمنيين ومطالبة الحقوقيين والقانونيين لحماية الصحفيين وتعزيز حرية الصحافة ولكن؟
في الواقع تحولت نيابة ومحكمة الصحافة من جهة مختصة بإنفاذ التزام مؤسسات الدولة بكفالة حرية الرأي والتعبير وفقا للدستور إلى سوط يلاحق الصحفيين وقيد ثقيل يقيد وسائل الإعلام ويمنعها من القيام بدورها.
من المعيب أن يستمر القضاء في ملاحقة الصحفيين ووسائل الإعلام بمبررات غير دستورية، ومنها تناول فساد واختلالات مؤسسات الدولة والذي أوضح الدستور أن القضاء هو ملجأ المواطنين لضبط الفساد و إنصافهم ووسائل الإعلام والصحافة وسيلة مباشرة وغير مباشرة لكشف الاختلالات والفساد والظلم والاستبداد وفقا لنص المــادة(51) من الدستور اليمني الذي نصت على :
( يحق للمواطن أن يلجا إلى القضاء لحماية حقوقه ومصالحة المشروعة وله الحق في تقديم الشكاوى والانتقادات والمقترحات إلى أجهزة الدولة ومؤسساتها بصورة مباشرة أو غير مباشرة .)
والإعلام ليس إلا وسيلة تكفل للمواطنين ممارستهم حقهم الدستوري .
العديد من سلطات ومؤسسات الدولة تتعامل مع الصحفيين ووسائل الإعلام وفق علاقة غير مشروعة مخالفة للدستور والقانون وخصام وصراع لا مبرر له .
كما أن العديد من سلطات الدولة تتحاشى الظهور الإعلامي في وسائل إعلام خاصة مستقلة وتحصر ظهورها الإعلامي في وسائل الإعلام الرسمي الحكومي التابع لها لتتحكم في أجندة ومحاور اللقاءات كونهم موظفين لديها وتتهرب من الظهور في وسائل الإعلام المستقلة خشية أن يتم طرح أسئلة الشعب وهموم ووجع وألم الشعب عليهم لتنغص مزاجهم الحساس.
وهنا أتذكر محاولة إحدى وسائل الإعلام المستقلة في اليمن المتخصصة في عرض قضايا ومظلوميات الشعب اليمني وتكشف الفساد والخلل في مؤسسات الدولة وتنتقد بصوت عالي كل ذلك بلاقيود أتذكر محاولة تلك الوسيلة الإعلامية عقد لقاء مع رئيس مجلس القضاء الأعلى والنائب العام ورئيس التفتيش القضائي ولكنهم رفضوا وتهربوا من ذلك ، ولا يزالوا يتهربوا من الصحافة ، ولا نعرف سبب ذلك الهروب والاختفاء خلف مكاتبهم والبعض تشجع والتزم وعند الحضور توارى خلف أبواب مكتبه الموصدة في وجه الصحافة ووسائل ، وكان يفترض بهم أن يطالبوا هم وسائل الإعلام المستقلة لعقد لقاءات تلفزيونية وصحفية دون أجنده مسبقة ودون صياغة مسبقة للأسئلة ليتم الإجابة عليها بصدق والتجاوب مع هموم ووجع الشعب بالرغم من أنهم جميعا وجدوا واعتلوا كراسي السلطة لخدمة الشعب وليس لأجندة أخرى مجهولة، وعلى الأقل ماداموا جاءوا لخدمة الشعب فليستمعوا للشعب وهمومه ووجعه وألمه عبر وسائل إعلام مختلفة رسمية وغير رسمية ، لنقل الحقيقة دون تزيين مسبق، ودون قص ودون مونتاج في حلقات وبرامج مباشرة لمصارحة الشعب ماذا يعملون وماذا سيعملون لخدمة الشعب إن كانوا فعلا جاءوا لخدمته… وهذا يؤكد بأن القضاء ينظر لعلاقته مع الإعلام بأنها علاقة يشوبها الكثير من علامات الاستفهام.
البعض في قيادة السلطة القضائية يطالب ويحذر من تناول وسائل الإعلام والصحافة لقضايا منظورة أمام القضاء بمبرر أن ذلك مساس باستقلال القضاء وان القاضي المنظورة أمامه القضايا سيقع تحت ضغط مجتمعي بعد تناول الإعلام للقضايا التي لديه وهذا مبرر غير منطقي وغير قانوني ويخالف الدستور اليمني الذي نص في المــادة(154) على :
( جلسات المحاكم علنية إلا إذا قررت المحكمة جعلها سرية مراعاة للنظام العام والآداب وفي جميع الأحوال يكون النطق بالحكم في جلسة علنية .)
وهذا يوضح أن تخوف قيادة السلطة القضائية من الإعلام والعلاقة بينهم التي يفترضها غير دستورية وان علنية جلسات المحاكمة يقصد بها حضور جميع المواطنين لتلك الجلسات وحضور جميع وسائل الإعلام ونقل ما يتم فيها دون قص ولا مونتاج ببث مباشر حي يكشف الخلل والفساد إن وجد ويوضح حقيقة ما يحصل في أروقه القضاء، وللأسف الشديد أن قيادات القضاء مازالت مقتنعة بالعلاقة المشروعة مع الإعلام والصحافة وانه يستوجب الابتعاد عن تلك العلاقة كونها غير مشروعه وفق قناعتهم المخالفة للدستور والقانون …. ومن يخشى خضوع القاضي لما يطرحه الإعلام والصحافة بالمخالفة للحق فهو يشكك في نزاهة واستقلال القضاء الذي لا يخضع لأحد فقط إذا كان هناك خطأ من محكمة أو نيابة أو قاضي بإمكان القاضي أن يتراجع عن مخالفته وتعسفه ويخضع للحق والقانون ووسائل الإعلام والصحافة هي فقط تكشف أي خلل وتشجع القضاة على عدم الوقوع في مستنقع الظلم والاستبداد والرجوع للحق والعدالة الناجزة دون مماطلة ولا تهرب ولا تباطؤ.
وهذا كله يؤكد ضرورة تسريع مجلس القضاء الأعلى في إصدار قرار بإلغاء نيابة ومحكمة الصحافة وإلزام جميع منتسبي القضاء باحترام الإعلام والصحافة صاحبه الجلالة كونها صوت الشعب وضميره وفتح حرية الرأي والتعبير دون قيود ولا حدود باعتبارها حق دستوري وقانوني وليس جريمة .
من المعيب أن نطالب وسائل الإعلام العالمية أن تتناول الانتهاكات والمظالم في وطننا واحتياجات شعبنا والأعيان المدنية الذي دمرها العدوان، ومازالت تدمرها وفي نفس الوقت ننصب أعواد المشانق للصحفيين ووسائل الإعلام في اليمن لمنعهم من تناول ونشر مظلوميات البؤساء ومنعهم من كشف فساد واختلالات مؤسسات وسلطات الدولة ويعتبر استمرار نيابة الصحافة والمطبوعات للعمل والتحقيق ومحاكمة الصحفيين ووسائل الإعلام مخالفة للتوجه العام للدولة ومخالف للدستور والقانون الذي كفل حرية الرأي والتعبير.
لا يتوقف التحقيق ومحاكمة الصحفيين ووسائل الإعلام في نيابات ومحاكم الصحافة بل جميع النيابات والمحاكم تفتح أبوابها على مصراعيها لاستقبال شكاوى وبلاغات ضد الصحفيين ووسائل الإعلام للتحقيق معهم ومحاكمتهم في محاكم ونيابات أمن الدولة وبشكل تعسفي ومخالف للدستور والقانون ويتناقض مع الدور المفترض لمؤسسات الدولة حماية الصحفيين ووسائل الإعلام وليس التحقيق معهم ومحاكمتهم وهذه الاختلالات الجسيمة في تعامل القضاء مع الصحفيين ووسائل الإعلام في اليمن لا تبرر استمرار عمل نيابات ومحاكم الصحافة كـ خيار أفضل للصحفيين من نيابات و محاكم أمن الدولة فالجميع مخالف للقانون والدستور والمستفيد الوحيد من كل ذلك هم الفاسدين والظالمين المستبدين، ليستمروا في فسادهم وظلمهم واستبدادهم دون إزعاج من الصحفيين ووسائل الإعلام بعيدا عن كابوس الشفافية وحرية الصحافة الذي ستنغص تلذذهم في الفساد والظلم والاستبداد وتعكر صفو حياتهم وتكسر معنوياتهم وتجرح كبرياء الفساد والظلم والاستبداد بكلمة حق ضد جميع الفاسدين والظالمين المستبدين ويتحول الوطن إلى غابة مظلمة كئيبة طاردة للكوادر ومعيقه للتنمية ويكون المواطن اليمني أما خيارين أما تجرع ويلات الفساد والظلم والاستبداد أو مغادرة الوطن للبحث عن الحرية خارج الغابة.
كشف الفساد واختلالات مؤسسات وسلطات الدولة ونشرها ليست جريمة تبني ومنح مساحات واسعة في وسائل لعرض مظلوميات مواطنين أغلقت في وجوههم جميع مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القضاء ليس جريمة ولكن ؟
والملاحظ أن نيابة الصحافة تقوم فور تلقيها شكوى من أي جهة أو شخص بقيد الشكوى ومباشرة التحقيق فيها وطلب الصحفي ووسيلة الإعلام للمثول أمامها وإخضاعهم لتحقيق خارج إطار القانون دون أن تقوم بدراسة الشكوى بشكل محايد ومستقل وتبحث عن قانونية قبولها من عدمه لأن جميع قضايا الصحافة حق دستوري وقانوني نص الدستور على كفالة حرية الرأي والتعبير ونص القانون على عدم قبول الدعاوى والشكاوى ضد الصحفيين ووسائل الإعلام إذا لم يرفضوا إفساح المجال للشاكي سواء كانت جهة رسمية أو خاصة أو مواطنين او مسؤولين في الدولة لحقهم في الرد والتوضيح ولا تسأل نيابة الصحافة من يتقدم بشكواه إليها هل تقدم بطلب حق الرد للجهة الإعلامية المشكو بها أم لا ليتم إلزامه بالعودة إليها لطلب حق الرد وفي حالة الرفض يتم التحقيق في الشكوى وطلب وسيلة الإعلام لتوضيح سبب رفضها طلب الشاكي حق الرد وفقا للقانون .
هذا ما رسمه قانون الصحافة اليمني وحدده لنيابة الصحافة والجهات ذات العلاقة للتقيد بها عند وصول شكاوى إليها ولكن ؟
نيابة الصحافة للأسف الشديد تتجاوز ذلك وتذبح القانون من الوريد إلى الوريد وتحقق في شكاوى ضد صحفيين وضد وسائل إعلام دون التحقق من تلك القيود القانونية بل والأخطر من ذلك تحيل ملفات القضايا بقرارات اتهام تخالف الدستور والقانون إلى محكمة الصحافة التي بدورها تكرر نفس خطأ نيابة الصحافة وتواجه وسيلة الإعلام والصحفيين بقرارات الاتهام دون تحققها من توافر شروط الدعوى القانونية ( الدعوى العامة قرار الاتهام المرفوعة من النيابة والدعوى الخاصة المرفوعة من الشاكي) وهل طلب الشاكي سواء كان شخص أو جهة حق الرد لوسيلة الإعلام أو للصحفي للرد والتوضيح عن ما تم نشره وإذا لم يرفق بقرار الاتهام ما يفيد تقديم الشاكي لطلب الرد لوسيلة الإعلام والصحفي وتم رفضها فهنا بإمكان المحكمة السير في الإجراءات ولكن؟
ما يحصل عكس ذلك تماما حيث تعرض وسيلة الإعلام والصحفي على الشاكي حقه في الرد لديها ولكن الشاكي يرفض حق الرد والنيابة والمحكمة تتجاهل كل ذلك ولا تغلق ملف القضية بل تستمر في إجراءاتها وبشكل تعسفي مخالف لقانون الصحافة الذي أوضح ذلك تفصيلا .
وهنا نؤكد أن قانون الصحافة صدر في اليمن عام 1990م عقب الوحدة مباشرة في ظل أجواء غير طبيعية وتخوف السلطات من الإعلام والذي تضمن القانون المذكور قيود متعددة للصحفيين ووسائل الإعلام بالمخالفة للدستور اليمني لضبط إيقاع الصحافة ليكون صوتها منخفض جدا ومخنوق تتحرك في مربع صغير مكبل اثنا عشر قيد ومحضور قانوني نص عليه قانون الصحافة لضمان عدم ارتفاع صوت الإعلام والصحافة ليصل إلى مستوى دق طبول الحرب ضد الفساد واختلالات مؤسسات الدولة ومنعها من تبني وعرض قضايا المظلومين المستضعفين لديها ليستمر كابوس الظلم والفساد يجثم على صدر وطننا الحبيب ويعيق التنمية والتطور الذي لن تتحقق إلا في بيئة مشبعة بالنزاهة والشفافية وحرية الصحافة والإعلام بلاقيود ولا حدود لايحدها إلا السماء السابعة في الكون ولايقيده قيد تتحرك دون معيق لتكشف عفن الفساد وتكشف الظالمين وتتحدى الجور والاستبداد في ظل حماية دستورية وقانونية وفي ظل كفالة الدولة لتلك الحريات باعتبارها أساس بناء الدولة المدنية الحقيقية الذي تسود فيها العدالة والمساواة والحرية والنزاهة وتتوارى بعيدا عن حدودها الفساد والظلم والاستبداد .
وفي الأخير :
نؤكد على وجوبية تصحيح نظرة مؤسسات الدولة وفي مقدمتها السلطة القضائية لعلاقتها مع الإعلام والصحافة بأنها علاقة غير مشروعة يستوجب تجنبها والتهرب منها وصنع حواجز متينة تمنع وصولها إليهم وهذه النظرة الخاطئة تؤسس لاستشراء الفساد في جميع مؤسسات الدولة وفي مقدمتها القضاء بتكميم أفواه الصحفيين ومنعهم من التطرق للفساد واختلالاتها والتحقيق معهم ومحاكمتهم في نيابات ومحاكم الصحافة.
العلاقة بين جميع سلطات ومؤسسات الدولة وفي مقدمتها السلطة القضائية علاقة مشروعة يستوجب تعميقها وتعزيزها كونها صوت الشعب وضميره ولن يتحقق إصلاح وتنمية وتغيير وبناء إلا إذا تعززت العلاقة بين الإعلام والقضاء كونها علاقة مشروعة وفقا للدستور والقانون يحمي القضاء الإعلام والصحفيين لا ينتهكهم ويحاكمهم ويستلزم إصدار مجلس القضاء الأعلى قرار بإلغاء نيابة ومحكمة الصحافة والتعميم على جميع مرافق القضاء بعدم فتح شكاوى أو بلاغات وتحقيقها ضد الصحافة والإعلام إذا كفلت حق الرد القانوني وإغلاق جميع ملفات القضايا في نيابة ومحكمة الصحافة وغيرها والإفراج عن جميع الصحفيين الموقوفين بسبب قضايا الرأي وتعويضهم ومنع تكرار تلك الانتهاكات مرة أخرى وأن يكون ذلك تجربة إيجابية يحتذي بها جميع سلطات الدولة الأخرى التشريعية والتنفيذية وكافة مرافق ومؤسسات الدولة باعتبارها خادمة للشعب والصحافة والإعلام هي ضمير الشعب وقلبه النابض وصوت الشعب الذي لا يعلو صوت فوق صوت الشعب.
ونأمل أن يتجاوز الجميع نظرتهم الخاطئة بأن العلاقة بين الإعلام والقضاء غير مشروعة ووجوبية التصحيح والمعالجة.
/ عبدالرحمن علي علي الزبيب
إعلامي مستقل ومستشار قانوني
law711177723@yahoo.com
اقرأ أيضا للكاتب:القضاء العمالي مخالفة القانون يضيع حقوقهم ويعطل الاستثمار
