كتابات فكرية

سعادة مرسومة على الرصيف

 سعادة مرسومة على الرصيف

حسن الدولة

الاثنين 23 مارس 2025

في زحام المدن الكبرى، حيث تتقاطع الخطى وتضيع الوجوه في زحمة لا ترحم، حيث تختنق الأحلام تحت وطأة الأسفلت، توقفتُ عند صورة رجلٍ لا يملك من الدنيا مأوى، لكنه امتلك ما هو أعمق وأثمن: خيالاً واسعاً وروحاً لا تُقهر.

لم يجد جدراناً تحميه، فابتكرها بالطباشير. لم يجد سقفاً يؤويه، فرسمه على الرصيف البارد. بقطعة طبشور بسيطة، كأنها قلم رصاص سماوي، خطَّ غرفةً كاملة الأثاث: سريراً وثيراً مزيناً بأغطية تشبه أغنيات الطفولة، وكميدوناتٍ أنيقة، ونوافذ تطل على مناظر من وحي خياله، ومصابيح تُضيء عتمة الوحدة. ثم استلقى في قلب هذا الحلم المرسوم، وأغمض عينيه، كأنما يرتشف هدوء جناحي ملاك، وكأنما انسحب من صخب الواقع إلى سكينةٍ من صنع روحه.

في تلك اللحظة، لم يكن مشرّداً كما يراه العابرون المتعجلون، بل كان سيد عالمٍ كاملٍ بناه بخياله. ابتسامةٌ هادئة ارتسمت على محياه، وملامحُ اطمئنانٍ غمرت وجهه، كأنها تقول إن السعادة ليست مكاناً يسكنه الجسد، بل شعورٌ يسكن القلب. وربما، في عمق تلك اللحظة، عاش من الطمأنينة والغنى الروحي ما لا يبلغه سكان القصور الفارهة الذين تنام قلوبهم على أسرة من ذهب وهي تلهث خلف السراب.

إنها حكاية إنسانٍ أدرك سراً يغيب عن كثيرين: أن الفقر ليس فقر الأشياء دائماً، بل فقر الإحساس. وأن الغنى الحقيقي هو القدرة على تحويل القسوة إلى جمال، والواقع القاسي إلى أحلام مرسومة، والرصيف الصلب إلى فراش وثير ومأوى يلبي كل احتياجات الروح.

بين ضجيج السيارات ونظرات المارة العابرة التي ربما تحمل شيئاً من الشفقة، كان هناك عالمٌ آخر يُرسم بهدوء، عالمٌ لا يُقاس بالإسمنت ولا يُحد بالجدران، بل يتسع بقدر ما يتسع القلب. إنه يثبت أن الإبداع يمكن أن يوجد في أصعب الظروف، وأن الإنسان يستطيع أن يحول العدم إلى وطن إذا أتقن فن رسم حدوده بداخله.

هكذا، يصبح الرصيف صفحة تختزل حكايات وأحلاماً، ويغدو الطبشور أداة خلاص، وتتحول لحظة عابرة إلى درسٍ عميق يطرح علينا تساؤلات لا تنتهي:

أن السعادة ليست عنواناً لمكان… بل حالة تسكن الإنسان، أينما كان.

فأيُّنا المشرد حقاً؟

أمن نام على الرصيف يحلم، أم من نام على الحرير ولا يحلم..

اقرأ أيضا: العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران.. حتى لا نفقد بوصلة الرؤية (2-2)

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى