كتابات فكرية

ذمار: المدينة المنسية المؤمنة بالتعايش

  ذمار: المدينة المنسية المؤمنة بالتعايش

بقلم: د. بكيل محمد الكليبي

 الخميس 22 يناير 2026-

   تتميز مدينة ذمار الواقعة في وسط اليمن وقلبه الصاخب بالحياة والحركة، ومع ذلك كثيرًا ما تُوصف بأنها (مدينة منسية)، على الرغم من كونها ملتقى طرق مختلفة جامعة تتصل بها جنوباً، وشرقاً، وغرباً، وشمالاً، وتحمل  بين أزقتها وأسواقها تاريخًا عريقًا وثقافةً غنيةً بالتنوع والتعايش، وهذا منح المدينة جمالاً يضاف إلى جمالها العتيق، المشرب بنفحات الجغرافيا والهوية، فالمدينة تقع على هضبة مرتفعة تأتي من حيث الارتفاع بعد جبل النبي شعيب، ويميزها مناخ ذو طبيعة باردة نسبية في فصل الشتاء، ومعتدل نسبيًا في فصل الصيف، مقارنةً بالمدن اليمنية الأخرى. 

  عرفت مدينة ذمار عبر التاريخ بأنها محطة على طريق القوافل التجارية القادمة من الجنوب والشرق، العابرة باتجاه الشمال، كما أنها محطة علمية وثقافية، تحتضن مختلف المدارس العلمية والمساجد التاريخية المعبرة عن نفس وتنوع المدينة الفكري، وكان لهذه الحواضر العلمية دورًا في نشر المعرفة بين طلاب العلم الذين قصدوها، إلى جانب كونها محل استراحة لعابري السبيل بين مناطق اليمن الأعلى، والأسفل على حداً سوا، يضاف إلى ذلك التعايش الاجتماعي، المصاحب للتنوع الفكري، وهذا منح ذمار، قدرة فائقة على احتضان مختلف المكونات الفكرية، والاجتماعية، والدينية، إذ ظل التعايش سمة بارزة في حياة أهلها، ويؤكد ذلك حاراتها وأزقتها المليئة بالمساجد والاحياء، التي تعبر عن نفس البيئة الاجتماعية الجامعة لسكان المدينة.

  تشكل الأسواق الشعبية والمجالس القبلية والأزقة المتنوعة، التي تعبر بصورة دائمة عن فضاءً مكتظ بالحياة يهدف لتحقيق عملية اتصال وتواصل وبأسلوب رفيع من التفاهم بين الناس، يعبر عن عمق الأصالة وروح التاريخ والثقافة، الذي تفوح بها المدينة، التي اشتهرت بطراز معماري فريد، وبمدارسها العلمية مثل:(المدرسة الشمسية)، وقبة داديه، والحمام، وبساتينها الخضراء التي ترسم لوحة بديعة في غاية الجمال والروعة، في محاكاة مع الزمن، الذي عاشته المدينة وأنعكس على مدى التنوع الزاخر، وهذا جعل منها منارة يهتدي إليها الطلاب والباحثين من مختلف مناطق اليمن على اختلاف مذاهبهم، إلى جانب كونها حافلة بعدد كبير من الفنون والموروث الشعبي، المعبر عن الأصالة وروح الانتماء.

  ورغم هذا المزيج الحي من التعايش الاجتماعي والفكري الذي تزخر به مدينة ذمار تظل المدينة على الدوام منسية؟ أما لماذا منسية؟ رغم أهميتها التاريخية، فيرجع السبب الرئيس أن ذمار لم تحظَ بالاهتمام الكافي من قبل الجهات الرسمية في الحكومات اليمنية المتعاقبة، في مشاريع التنمية والبنى التحتية الحديثة، كما أنها غائبة عن المشهد السياحي والإعلامي، في البلاد مما جعلها تبدو وكأنها خارج دائرة الضوء، رغم غناها بالتراث الحضاري والإنساني، المادي وغير المادي، وجعل الكثير من المواقع التاريخية والأثرية مهددة بالاندثار أمام مرئ ومسمع الجميع عدى تلك المواقع الأثرية التي تحظى بالرمزية الدينية لدى بعض المذاهب التي نالت الاهتمام مقابل اندثار الأخرى، التي لا سند لها، ولا ارتباط أو بعد ديني لها سوا أنها أثار مادية، أصبحت الأن في قارعة الطريق السريع نحو الاندثار، ومع ذلك فذمار اليوم ما زالت المدينة تحتفظ بروحها الأصيلة، وتُعد نموذجًا للتعايش في زمن الانقسامات، وأهلها يفتخرون بتاريخهم، ويؤمنون أن التعايش هو السبيل للحفاظ على موروثهم وهويتهم ومكانتهم. 

  •  د. بكيل محمد الكليبي – رئيس قسم الإعلام – جامعة ذمار

اقرأ أيضا: جامعة ذمار تحتفي باللغة العربية

  

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى