دروب المرجلة

دروب المرجلة
د : عائشة المزيجي
سمعت منذ الصغر أن حواء أخرجت آدم من الجنة، مقولة تلقفتها الأزمنة والأجيال خاصة الرجال، وبحدود علمي البسيط ما وجدت دليلا على ذلك من ظاهر آيات القرآن الكريم، وتركت التحري لأهل التخصص في التفسير والأحاديث.
والحقيقة في واقع الحياة أن حواء تصدرت أدوار آدم مضطرة، أضاعت طريق الأنوثة، نزعت القوامة من آدم صاحب العضلات ورب العقل والحكمة، بكرت تلهث وراء رزقها وأبنائها، في حين غطى آدم نفسه بعدد من البطانيات تحجب عنه رؤية ضوء النهار ليتناول جرعات النوم ليل نهار.
توهمت حواء أن العزة في أخذها دور آدم، وقد بكرت تضارب أقدامها الشوارع والطرقات، وصولا إلى مكان عملها أو كما تقول مكان عزتها، وهي من خلعت عزتها بجوانب وأركان بيتها، واتخذت دروب المرجلة طريقا لها، خرجت والطيور في أعشاشها فانتهكت أنوثتها، رقتها، عاطفتها، في حين يسبح الرجيل المعلوف في سبات عميق، حتى رحيل الشمس إلى المغرب.
بات امتلاء الشوارع والباصات بأردية حواء السوداء، قلبا للفطرة التي أسسها الخالق، فأني…وكيف.. للضعيفة والرقيقة وملكة العواطف أن تمثل دور القوامة على الرجيل، وقد قسمت مسار يومها وعملها إلى فترة صباحية ومسائية، تفانت حفاظا على كرامة واستقرار عيشها، وهي تقصف أنوثتها، برجوعها نهاية اليوم إلى منزلها جثة هامدة، تستقبلها جرأة الرجيل المعلوف، وهو يطالبها فيما تبقى من سويعات بأن تكون طباخة ماهرة وفنانة أنيقة.
لا أخفيكم القول، مساهمة حواء في قلب موازين الحياة وأخذها القوامة المغلوطة، بخوفها المفرط على فلذات أكبادها، الذين هم فلذات كبد آدم.
حين قررت حواء الخروج، تأمل آدم عن قرب مدى قدراتها و إمكانات جسدها وصبرها وقوتها على تحمل دور القوامة، الذي تخلى عنه، وقد ضمن منها توفير الجانب المالي، وهذا ما يهمه أولا وأخيرا، يراقب متخفيا من مكانه المغلق ( تحت بطانيته) مجريات تفانيها.
يشكر آدم ربه – كل حين – لاشتعال عاطفة وخوف حواء على أبنائها، ضمان ثباتها واستمرارها في القيام بالدور، في حين يسلي آدم نفسه، بأن سبل الرزق مغلقة أمامه. لم تدرك حواء أن الرجيل المعلوف استحلى الحياة دون سعي، ولو ظل فقيرا، فسلمها القوامة عن طيب.
ماذا لو غطت حواء وجهها ببطانية أخرى وتغابت، وجاع آدم وأبناؤه. ربما صار الرجيل رجلا، ودفعته معدته نحو دروب المرجلة.




